الشوكاني

512

فتح القدير

وابن محيصن بإسكان الهاء ، واتفقوا على فتح الهاء في قوله ( ذات لهب ) وروى صاحب الكشاف أنه قرئ تبت يدا أبو لهب ، وذكر وجه ذلك ( ما أغنى عنه ماله وما كسب ) أي ما دفع عنه ما حل به من التباب وما نزل به من عذاب الله ما جمع من المال ولا ما كسب من الأرباح والجاه ، أو المراد بقوله : ماله ما ورثه من أبيه ، وبقوله ( وما كسب ) الذي كسبه بنفسه . قال مجاهد : وما كسب من ولد ، وولد الرجل من كسبه ، ويجوز أن تكون " ما " في قوله ( ما أغنى ) استفهامية : أي أي شئ أغنى عنه ؟ وكذا يجوز في قوله ( وما كسب ) أن تكون استفهامية : أي وأي شئ كسب ؟ ويجوز أن تكون مصدرية أي وكسبه . والظاهر أن ما الأولى نافية ، والثانية موصولة . ثم أوعده سبحانه بالنار فقال ( سيصلى نارا ذات لهب ) قرأ الجمهور " سيصلى " بفتح الياء وإسكان الصاد وتخفيف اللام : أي سيصلى هو بنفسه ، وقرأ أبو رجاء وأبو حيوة وابن مقسم والأشهب العقيلي وأبو السماك والأعمش ومحمد بن السميفع بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام ، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير ، والمعنى سيصليه الله ، ومعنى ( ذات لهب ) ذات اشتعال وتوقد ، وهي نار جهنم ( وامرأته حمالة الحطب ) معطوف على الضمير في يصلى ، وجاز ذلك للفصل : أي وتصلى امرأته نارا ذات لهب ، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان ، وكانت تحمل الغضى والشوك فتطرحه بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كذا قال ابن زيد والضحاك والربيع بن أنس ومرة الهمداني . وقال مجاهد وقتادة والسدي : إنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس . والعرب تقول : فلان يحطب على فلان : إذا نم به ، ومنه قول الشاعر : إن بني الأدرم حمالوا الحطب * هم الوشاة في الرضا والغضب * عليهم اللعنة تترى والحرب وقال آخر : من البيض لم يصطد على ظهر لامة * ولم يمش بين الناس بالحطب الرطب وجعل الحطب في هذا البيت رطبا لما فيه من التدخين الذي هو زيادة في الشر ، ومن الموافقة للمشي بالنميمة ، وقال سعيد بن جبير : معنى حمالة الحطب أنها حمالة الخطايا والذنوب ، من قولهم : فلان يحتطب على ظهره ، كما في قوله - وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم - وقيل المعنى : حمالة الحطب في النار . قرأ الجمهور " حمالة " بالرفع على الخبرية على أنها جملة مسوقة للإخبار بأن امرأة أبي لهب حمالة الحطب ، وأما على ما قدمنا من عطف وامرأته على الضمير في تصلى ، فيكون رفع حمالة على النعت لامرأته ، والإضافة حقيقية لأنها بمعنى المضي ، أو على أنه خبر مبتدإ محذوف : أي هي حمالة . وقرأ عاصم بنصب " حمالة " على الذم ، أو على أنه حال من امرأته . وقرأ أبو قلابة " حاملة الحطب " ( في جيدها حبل من مسد ) الجملة في محل نصب على الحال من امرأته ، والجيد العنق ، والمسد الليف الذي تفتل منه الحبال ، ومنه قول النابغة : مقذوفة بدحيض النحض نازلها * له صريف صريف القعواء بالمسد وقول الآخر : يا مسد الخوص تعوذ منى * إن كنت لدنا لينا فإني وقال أبو عبيدة : المسد هو الحبل يكون من صوف . وقال الحسن : هي حبال تكون من شجر ينبت باليمن تسمى بالمسد . وقد تكون الحبال من جلود الإبل أو من أوبارها . قال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا ، كانت تعير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفقر وهي تحتطب في حبل تجعله في عنقها فخنقها الله به فأهلكها ، وهو في الآخرة حبل من نار . وقال مجاهد وعروة بن الزبير : هو سلسلة من نار تدخل في فيها وتخرج من أسفلها . وقال قتادة : هو قلادة من ودع كانت لها . قال الحسن : إنما كان خرزا في عنقها . وقال سعيد بن المسيب : كانت