الشوكاني
507
فتح القدير
مقتضى اللغة العربية ، ولكنه لا يتم جعل قوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) للاستقبال ، لأن الجملة اسمية تفيد الدوام والثبات في كل الأوقات فدخول النفي عليها يرفع ما دلت عليه من الدوام ، والثبات في كل الأوقات ، ولو كان حملها على الاستقبال صحيحا للزم مثله في قوله ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) وفي قوله ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) فلا يتم ما قيل من حمل الجملتين الأخريين على الحال ، وكما يندفع هذا يندفع ما قيل من العكس ، لأن الجملة الثانية والثالثة والرابعة كلها جمل اسمية مصدرة بالضمائر التي هي المتبدأ في كل واحد منها مخبر عنها باسم الفاعل العامل فيما بعده منفية كلها بحرف واحد ، وهو لفظ لا في كل واحد منها ، فكيف يصح القول مع هذا الاتحاد بأن معانيها في الحال والاستقبال مختلفة . وأما قول من قال : إن كل واحد منها يصلح للحال والاستقبال ، فهو إقرار منه بالتكرار ، لأن حمل هذا على معنى وحمل هذا على معنى مع الاتحاد يكون من باب التحكم الذي لا يدل عليه عليل . وإذا تقرر لك هذا فاعلم أن القرآن نزل بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التي لا تجحد ، واستعمالاتهم التي لا تنكر أنهم إذا أرادوا التأكيد كرروا ، كما أن من مذاهبهم أنهم إذا أرادوا الاختصار أوجزوا ، هذا معلوم لكل من له علم بلغة العرب ، وهذا مما لا يحتاج إلى إقامة البرهان عليه لأنه إنما يستدل على ما فيه خفاء ويبرهن على ما هو متنازع فيه . وأما ما كان من الوضوح والظهور والجلاء بحيث لا يشك فيه شاك ، ولا يرتاب فيه مرتاب فهو مستغن عن التطويل غير محتاج إلى تكثير القال والقيل . وقد وقع في القرآن من هذا ما يعلمه كل من يتلو القرآن ، وربما يكثر في بعض السور كما في سورة الرحمن وسورة المرسلات وفي أشعار العرب من هذا ما لا يأتي عليه الحصر ، ومن ذلك قول الشاعر : يالبكر انشروا لي كليبا * يالبكر أين أين الفرار وقول الآخر : هلا سألت جموع كندة * يوم ولوا أين أينا وقول الآخر : يا علقمة يا علقمة يا علقمة * خير تميم كلها وأكرمه وقول الآخر : ألا يا اسلمي ثمت اسلمي * ثلاث تحيات وإن لم تكلم وقول الآخر : يا جعفر يا جعفر يا جعفر * إن أك دحداحا فأنت أقصر وقول الآخر : * أتاك أتاك اللاحقوك احبس احبس * وقد ثبت عن الصادق المصدوق ، وهو أفصح من نطق بلغة العرب أنه كان إذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاث مرات ، وإذا عرفت هذا ففائدة ما وقع في السورة من التأكيد هو قطع أطماع الكفار عن أن يجيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما سألوه من عبادته آلهتهم ، وإنما عبر سبحانه بما التي لغير العقلاء في المواضع الأربعة لأنه يجوز ذلك كما في قوله : سبحان ما سخركن لنا ونحوه ، والنكتة في ذلك أن يجرى الكلام على نمط واحد ولا يختلف . وقيل إنه أراد الصفة كأنه قال : لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق . وقيل إن " ما " في المواضع الأربعة هي المصدرية لا الموصولة : أي لا أعبد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتي الخ ، وجملة ( لكم دينكم ) مستأنفة لتقرير قوله ( لا أعبد ما تعبدون ) وقوله ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) كما أن قوله ( ولى دين ) تقرير لقوله ( ولا أنتم عابدون ) ما أعبد ) في الموضعين : أي إن رضيتم بدينكم فقد رضيت بديني كما في قوله - لنا أعمالنا ولكم أعمالكم - والمعنى : أن دينكم الذي هو الإشراك مقصور على الحصول لكم لا يتجاوزه إلى الحصول لي كما تطمعون ، وديني الذي هو التوحيد مقصور على الحصول لي لا يتجاوزه إلى الحصول لكم . وقيل المعنى : لكم جزاؤكم ولي جزائي ، لأن الدين الجزاء . قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف ، وقيل ليست بمنسوخة ، لأنها أخبار والأخبار لا يدخلها النسخ