الشوكاني

500

فتح القدير

ويجوز أن تكون عاطفة على الذي يكذب : إما عطف ذات على ذات ، أو صفة على صفة . فعلى الأول يكون اسم الإشارة مبتدأ وخبره الموصول بعده ، أو خبر لمبتدأ محذوف : أي فهو ذلك ، والموصول صفته . وعلى الثاني يكون في محل نصب لعطفه على الموصول الذي هو في محل نصب . ومعنى يدع يدفع دفعا بعنف وجفوة : أي يدفع اليتيم عن حقه دفعا شديدا ، ومنه قوله سبحانه - يوم يدعون إلى نار جهنم دعا - وقد قدمنا أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ( ولا يحض على طعام المسكين ) أي لا يحض نفسه ولا أهله ولا غيرهم على ذلك بخلا بالمال ، أو تكذيبا بالجزاء ، وهو مثل قوله في سورة الحاقة - ولا يحض على طعام المسكين - ( فويل ) يومئذ ( للمصلين ) الفاء جواب لشرط محذوف كأنه قيل إذا كان ما ذكر من عدم المبالاة باليتيم والمسكين فويل للمصلين ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) أي عذاب لهم ، أو هلاك ، أو واد في جهنم لهم كما سبق الخلاف في معنى الويل ، ومعنى ساهون : غافلون غير مبالين بها ، ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الدعاء عليهم بالويل على ما ذكر من قبائحهم ، ووضع المصلين موضع ضميرهم للتوصل بذلك إلى بيان أن لهم قبائح أخر غير ما ذكر . قال الواحدي : نزلت في المنافقين الذين لا يرجون بصلاتهم ثوابا إن صلوا ، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا ، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها ، وإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء ، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا ، وهو معنى قوله ( الذين هم يراءون ) أي يراءون الناس بصلاتهم إن صلوا ، أو يراءون الناس بكل ما عملوه من أعمال البر ليثنوا عليهم . قال النخعي ( الذين هم عن صلاتهم ساهون ) هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا وهكذا ملتفتا . وقال قطرب : هو الذي لا يقرأ ولا يذكر الله . وقرأ ابن مسعود الذين هم عن صلاتهم لاهون ( ويمنعون الماعون ) . قال أكثر المفسرين : الماعون اسم لما يتعاوزه ذلك الناس بينهم : من الدلو والفأس والقدر ، ومالا يمنع كالماء والملح . وقيل هو الزكاة : أي يمنعون زكاة أموالهم . وقال الزجاج وأبو عبيد والمبرد : الماعون في الجاهلية كل ما فيه منفعة حتى الفأس والدلو والقدر والقداحة وكل ما فيه منفعة من قليل وكثير ، وأنشدوا قول الأعشى : بأجود منه بماعونه * إذا ما سماؤهم لم تغم قال الزجاج وأبو عبيد والمبرد أيضا : والماعون في الإسلام الطاعة والزكاة ، وأنشدوا قول الراعي : أخليفة الرحمن إنا معشر * حنفا نسجد بكرة وأصيلا عرب نرى لله من أموالنا * حق الزكاة منزلا تنزيلا قوم على الإسلام لما يمنعوا * ما عونهم ويضيعوا التهليلا وقيل الماعون الماء . قال الفراء : سمعت بعض العرب يقول : الماعون الماء ، وأنشدني : تمج صبيرة الماعون صبا * والصبيرة السحاب ، وقيل الماعون : هو الحق على العبد على العموم ، وقيل هو المستغل من منافع الأموال ، مأخوذ من المعن ، وهو القليل . قال قطرب : أصل الماعون من القلة ، والمعن : الشئ القليل ، فسمى الله الصدقة والزكاة ونحو ذلك من المعروف ماعونا ، لأنه قليل من كثير ، وقيل هو ما لا يبخل به كالماء والملح والنار . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( أرأيت الذي يكذب بالدين ) قال : يكذب بحكم الله ( فذلك الذي يدع اليتيم ) قال : يدفعه عن حقه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عنه ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) قال : هم المنافقون يراءون الناس بصلاتهم