الشوكاني

498

فتح القدير

إيلافهم الرحلتين ، ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط ، لأن المعنى : أما لا فليعبدوه . وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد ، والمعنى : إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة . وقال الكسائي والأخفش : اللام لام التعجب : أي اعجبوا لإيلاف قريش . وقيل هي بمعنى إلى . قرأ الجمهور " لإيلاف " بالياء مهموزا من ألفت أؤلف إئلافا . يقال : ألفت الشئ ألافا وألفا ، وألفته إيلافا بمعنى ، ومنه قول الشاعر : المنعمين إذا النجوم تغيرت * والظاعنين لرحلة الإيلاف وقرأ ابن عامر " لإلاف " بدون الياء ، وقرأ أبو جعفر " لإلف " وقد جمع بين هاتين القراءتين الشاعر ، فقال : زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم إلف وليس لكم إلاف وقرأ عكرمة " ليألف قريش " بفتح اللام على أنها لام الأمر ، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وفتح لام الأمر لغة معروفة . وقرأ بعض أهل مكة " إلاف قريش " واستشهد بقول أبي طالب : تذود الورى من عصبة هاشمية * إلا فهم في الناس خير إلاف وقريش هم : بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي ، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي ، وقريش يأتي منصرفا إن أريد به الحي ، وغير منصرف إن أريد به القبيلة ومنه قول الشاعر : وكفى قريش المعضلات وسادها * وقيل إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر ، والأول أصح ، وقوله ( إيلافهم ) بدل من إيلاف قريش ، و ( رحلة ) مفعول به لإيلافهم وأفردها ، ولم يقل رحلتي الشتاء والصيف لأمن الإلباس ، وقيل إن إيلافهم تأكيد للأول لا بدل ، والأول أولى . ورجحه أبو البقاء ، وقيل إن رحلة منصوبة بمصدر مقدر : أي ارتحالهم رحلة ( الشتاء والصيف ) وقيل هي منصوبة على الظرفية ، والرحلة : الارتحال ، وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء لأنها بلاد حارة ، والرحلة الأخرى إلى الشام في الصيف لأنها بلاد باردة . وروى أنهم كانوا يشتون بمكة ، ويصيفون بالطائف . والأول أولى ، فإن ارتحال قريش للتجارة معلوم معروف في الجاهلية والإسلام . قال ابن قتيبة : إنما كانت تعيش قريش بالتجارة وكانت لهم رحلتان في كل سنة : رحلة في الشتاء إلى اليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام ، ولولا هاتان الرحلتان لم يمكن بها مقام ، ولولا الأمن بجوارهم البيت لم يقدروا على التصرف ( فليعبدوا رب هذا البيت ) أمرهم سبحانه بعبادته بعد أن ذكر لهم ما أنعم به عليهم : أي إن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه النعمة الخاصة المذكورة ، والبيت الكعبة . وعرفهم سبحانه بأنه رب هذا البيت لأنها كانت لهم أوثان يعبدونها ، فميز نفسه عنها . وقيل لأنهم بالبيت تشرفوا على سائر العرب ، فذكر لهم ذلك تذكيرا لنعمته ( الذي أطعمهم من جوع ) أي أطعمهم بسبب تينك الرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما ، وقيل إن هذا الإطعام هو أنهم لما كذبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليهم ، فقال : اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ، فاشتد القحط ، فقالوا : يا محمد ادع الله لنا فإنا مؤمنون ، فدعا فأخصبوا وزال عنهم الجوع وارتفع القحط ( وآمنهم من خوف ) أي من خوف شديد كانوا فيه . قال ابن زيد : كانت العرب يغير بعضها على بعض ويسبي بعضها بعضا ، فأمنت قريش من ذلك لمكان الحرم . وقال الضحاك والربيع وشريك وسفيان : آمنهم من خوف الحبشة مع الفيل . وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ( لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) ويحكم يا قريش ، اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمكم من