الشوكاني
493
فتح القدير
الذي يلمزهم بلسانه . وقال سفيان الثوري : يهمزهم بلسانه ويلمزهم بعينه . وقال ابن كيسان : الهمزة : الذي يؤذي جلساءه بسوء اللفظ ، والهمزة : الذي يكسر عينه على جليسه ويشير بيده وبرأسه وبحاجبه ، والأول أولى ، ومنه قول زياد الأعجم : تدلى بود إذا لاقيتني كذبا * وإن أغيب فأنت الهامز اللمزه وقول الآخر : إذا لقيتك من سخط تكاشرني * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه وأصل الهمز الكسر ، يقال : همز رأسه كسره ، ومنه قول العجاج : ومن همزنا رأسه تهشما وقيل أصل الهمز واللمز : الضرب والدفع ، يقال : همزه يهمزه همزا ، ولمزه يلمزه لمزا : إذا دفعه وضربه ، ومنه قول الشاعر : ومن همزنا عزه تبركعا * على استه زوبعة أو زوبعا البركعة : القيام على أربع ، يقال بركعه فتبركع : أي صرعه فوقع على استه ، كذا في الصحاح وبناء فعلة يدل على الكثرة ، ففيه دلالة على أنه يفعل ذلك كثيرا ، وأنه قد صار ذلك عادة له ، ومثله ضحكة ولعنة . قرأ الجمهور " همزة لمزة " بضم أولهما وفتح الميم فيهما . وقرأ الباقر والأعرج بسكون الميم فيهما . وقرأ أبو وائل والنخعي والأعمش " ويل للهمزة اللمزة " والآية تعم كل من كان متصفا بذلك ، ولا ينافيه نزولها على سبب خاص ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ( الذي جمع مالا وعدده ) الموصول بدل من كل ، أو في محل نصب على الذم ، وهذا أرجح ، لأن البدل يستلزم أن يكون المبدل منه في حكم الطرح ، وإنما وصفه سبحانه بهذا الوصف لأنه يجرى مجرى السبب ، والعلة في الهمز واللمز ، وهو إعجابه بما جمع من المال وظنه أنه الفضل ، فلأجل ذلك يستقصر غيره . قرأ الجمهور " جمع " مخففا . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد . وقرأ الجمهور " وعدده " بالتشديد ، وقرأ الحسن والكلبي ونصر بن عاصم وأبو العالية بالتخفيف ، والتشديد في الكلمتين يدل على التكثير وهو جمع الشئ بعد الشئ وتعديده مرة بعد أخرى . قال الفراء : معنى عدده أحصاه . وقال الزجاج : وعدده لنوائب الدهور . يقال أعددت الشئ وعددته : إذا أمسكته . قال السدي : أحصى عدده . وقال الضحاك : أعد ماله لمن يرثه . وقيل المعنى : فاخر بكثرته وعدده ، والمقصود ذمه على جمع المال ، وإمساكه وعدم إنفاقه في سبيل الخير . وقيل المعنى على قراءة التخفيف في عدده : أنه جمع عشيرته وأقاربه . قال المهدوي : من خفف وعدده فهو معطوف على المال : أي وجمع عدده ، وجملة ( يحسب أن ماله أخلده ) مستأنفة لتقرير ما قبلها ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال : أي يعمل عمل من يظن أن ماله يتركه حيا مخلدا لا يموت . وقال عكرمة : يحسب أن ماله يزيد في عمره ، والإظهار في موضع الإضمار للتقريع والتوبيخ . وقيل هو تعريض بالعمل الصالح ، وأنه الذي يخلد صاحبه في الحياة الأبدية ، لا المال . وقوله ( كلا ) ردع له عن ذلك الحسبان : أي ليس الأمر على ما يحسبه هذا الذي جمع المال وعدده ، واللام في ( لينبذن في الحطمة ) جواب قسم محذوف : أي ليطرحن في النار وليلقين فيها . قرأ الجمهور " لينبذن " وقرأ علي والحسن ومحمد بن كعب ونصر بن عاصم ومجاهد وحميد وابن محيصن : لينبذان بالتثنية : أي لينبذ هو وماله في النار . وقرأ الحسن أيضا : لينبذن : أي لينبذن ماله في النار ( وما أدراك ما الحطمة ) هذا الاستفهام للتهويل والتفظيع حتى كأنها ليست مما تدركه العقول وتبلغه الأفهام ،