الشوكاني
491
فتح القدير
تفسير سورة العصر هي ثلاث آيات وهي مكية عند الجمهور . وقال قتادة : هي مدنية . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة العصر بمكة . وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن أبي مزينة الدارمي ، وكانت له صحبة قال : كان الرجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر . ثم يسلم أحدهما على الآخر : سورة العصر ( 1 - 3 ) أقسم سبحانه بالعصر وهو الدهر ، لما فيه من العبر من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار وتعاقب الظلام والضياء ، فإن في ذلك دلالة بينة على الصانع عز وجل وعلى توحيده ، ويقال لليل عصر وللنهار عصر ، ومنه قول حميد بن ثور : ولم ينته العصران يوم وليلة * إذا طلبا أن يدركا ما تمنيا ويقال للغداة والعشي عصران ، ومنه قول الشاعر : وأمطله العصرين حتى يملني * ويرضى بنصف الدين والأنف راغم * وقال قتادة والحسن : المراد به في الآية العشي ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها ، ومنه قول الشاعر : يروح بنا عمرو وقد قصر العصر * وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر وروى عن قتادة أيضا أنه آخر ساعة من ساعات النهار . وقال مقاتل : إن المراد به صلاة العصر وهي الصلاة الوسطى التي أمر الله سبحانه بالمحافظة عليها ، وقيل هو قسما بعصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال الزجاج : قال بعضهم : معناه ورب العصر ، والأول أولى ( إن الإنسان لفي خسر ) هذا جواب القسم . الخسر والخسران النقصان وذهاب رأس المال ، والمعنى : أن كل إنسان في المتاجر والمساعي وصرف الأعمار في أعمال الدنيا لفي نقص وضلال عن الحق حتى يموت . وقيل المراد بالإنسان الكافر ، وقيل جماعة من الكفار : وهم الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب بن أسد ، والأول أولى لما في لفظ الإنسان من العموم ولدلالة الاستثناء عليه . قال الأخفش ( في خسر ) في هلكة . وقال الفراء : عقوبة . وقال ابن زيد : لفي شر . قرأ الجمهور " والعصر " بسكون الصاد . وقرءوا أيضا " خسر " بضم الخاء وسكون السين . وقرأ يحيى بن سلام " والعصر " بكسر الصاد . وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى : " خسر " بضم الخاء والسين ، ورويت هذه القراءة عن عاصم ( إلا