الشوكاني
488
فتح القدير
لبس فأبلى ، أو تصدق فأقنى وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس " . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في الشعب وضعفه عن جرير بن عبد الله قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إني قارئ عليكم سورة ألهاكم التكاثر ، فمن بكى فله الجنة ، فقرأها فمنا من بكى ومنا من لم يبك ، فقال الذين لم يبكوا : قد جهدنا يا رسول الله أن نبكي فلم نقدر عليه ، فقال : إني قارئها عليكم الثانية فمن بكى فله الجنة ، ومن لم يقدر أن يبكي فليتباكى " . سورة التكاثر ( 1 - 8 ) قوله ( ألهاكم التكاثر ) أي شغلكم التكاثر بالأموال والأولاد والتفاخر بكثرتها والتغالب فيها . يقال : ألهاه عن كذا وألهاه إذا شغله ، ومنه قول امرئ القيس : فألهيتها عن ذي تمائم محول وقال الحسن : معنى ألهاكم : أنساكم ( حتى زرتم المقابر ) أي حتى أدرككم الموت وأنتم على تلك الحال . وقال قتادة : إن التكاثر التفاخر بالقبائل والعشائر . وقال الضحاك : ألهاكم التشاغل بالمعاش . وقال مقاتل وقتادة أيضا وغيرهما : نزلت في اليهود حين قالوا نحن أكثر من بني فلان ، وبنو فلان أكثر من بني فلان ، ألهاهم ذلك حتى ماتوا . وقال الكلبي : نزلت في حيين من قريش : بني عبد مناف ، وبني سهم تعاذوا وتكاثروا بالسيادة والأشراف في الإسلام ، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا وأعز عزيزا وأعظم نفرا وأكثر قائدا ، فكثر بنو عبد مناف بني سهم ، ثم تكاثروا بالأموات فكثرتهم بهم ، فنزلت ( ألهاكم التكاثر ) فلم ترضوا ( حتى زرتم المقابر ) مفتخرين بالأموات . وقيل نزلت في حيين من الأنصار . والمقابر جمع مقبرة بفتح الباء وضمها . وفي الآية دليل على أن الاشتغال بالدنيا والمكاثرة بها والمفاخرة فيها من الخصال المذمومة ، وقال سبحانه ( ألهاكم التكاثر ) ولم يقل عن كذا ، بل أطلقه لأن الإطلاق أبلغ في الذم ، لأنه يذهب الوهم فيه كل مذهب ، فيدخل فيه جميع ما يحتمله المقام ، ولأن حذف المتعلق مشعر بالتعميم ، كما تقرر في علم البيان ، والمعنى أنه شغلكم التكاثر عن كل شئ يجب عليكم الاشتغال به من طاعة الله والعمل للآخرة ، وعبر عن موتهم بزيارة المقابر لأن الميت قد صار إلى قبره كما يصير الزائر إلى الموضع الذي يزوره هذا على قول من قال : إن معنى ( زرتم المقابر ) متم ، وأما على قول من قال : إن معنى ( زرتم المقابر ) ذكرتم الموتى وعددتموهم للمفاخرة والمكاثرة ، فيكون ذلك على طريق التهكم بهم ، وقيل إنهم كانوا يزورون المقابر ، فيقولون هذا قبر فلان ، وهذا قبر فلان يفتخرون بذلك ( كلا سوف تعلمون ) ردع وزجر لهم عن التكاثر وتنبيه على أنهم سيعلمون عاقبة ذلك يوم القيامة وفيه وعيد شديد . قال الفراء : أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التكاثر والتفاخر ، ثم كرر الردع والزجر والوعيد فقال ( ثم كلا سوف تعلمون ) وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأول ، وقيل الأول عند الموت أو في القبر ، والثاني يوم القيامة . قال الفراء : هذا التكرار على وجه التغليظ والتأكيد . قال مجاهد : هو وعيد بعد وعيد . وكذا قال الحسن ومجاهد ( كلا لو تعلمون