الشوكاني
468
فتح القدير
قرأ الجمهور ( اقرأ ) بسكون الهمزة أمرا من القراءة . وقرأ عاصم في رواية عنه بفتح الراء ، وكأنه قلب الهمزة ألفا ثم حذفها للأمر ، والأمر بالقراءة يقتضي مقروءا ، فالتقدير : اقرأ ما يوحى إليك ، أو ما نزل عليك ، أو ما أمرت بقراءته ، وقوله ( باسم ربك ) متعلق بمحذوف هو حال : أي اقرأ ملتبسا باسم ربك أو مبتدئا باسم ربك أو مفتتحا ، ويجوز أن تكون الباء زائدة ، والتقدير : اقرأ اسم ربك كقول الشاعر : سود المحاجر لا يقرأن بالسور * قاله أبو عبيدة . وقال أيضا : الاسم صلة : أي أذكر ربك . وقيل الباء بمعنى على : أي اقرأ على اسم ربك ، يقال افعل كذا بسم الله ، وعلى اسم الله قاله الأخفش . وقيل الباء للاستعانة : أي مستعينا باسم ربك ، ووصف الرب بقوله ( الذي خلق ) لتذكير النعمة لأن الخلق هو أعظم النعم ، وعليه يترتب سائر النعم . قال الكلبي : يعني الخلائق ( خلق الإنسان من علق ) يعني بني آدم ، والعلقة الدم الجامد ، وإذا جرى فهو المسفوح . وقال : من علق بجمع علق لأن المراد بالإنسان الجنس ، والمعنى : خلق جنس الإنسان من جنس العلق ، وإذا كان المراد بقوله " الذي خلق " كل المخلوقات ، فيكون تخصيص الإنسان بالذكر تشريفا له لما فيه من بديع الخلق وعجيب الصنع ، وإذا كان المراد بالذي خلق الذي خلق الإنسان فيكون الثاني تفسيرا للأول . والنكتة ما في الإبهام ، ثم التفسير من التفات الذهن وتطلعه إلى معرفة ما أبهم أولا ثم فسر ثانيا . ثم كرر الأمر بالقراءة للتأكيد والتقرير فقال ( اقرأ وربك الأكرم ) أي افعل ما أمرت به من القراءة ، وجملة ( وربك الأكرم ) مستأنفة لإزاحة ما اعتذر به صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : " ما أنا بقارئ " يريد أن القراءة شأن من يكتب ويقرأ وهو أمي ، فقيل له اقرأ وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم . قال الكلبي : يعني الحليم عن جهل العباد فلم يعجل بعقوبتهم ، وقيل إنه أمره بالقراءة أولا لنفسه ، ثم أمره بالقراءة ثانيا للتبليغ ، فلا يكون من باب التأكيد ، والأول أولى ( الذي علم بالقلم ) أي علم الإنسان الخط بالقلم ، فكان بواسطة ذلك يقدر على أن يعلم كل مكتوب قال الزجاج : علم الإنسان الكتابة بالقلم . قال قتادة : القلم نعمة من الله عز وجل عظيمة ، لولا ذلك لم يقم دين ولم يصلح عيش ، فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو ، وما دونت العلوم ولا قيدت الحكم ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة ، ولولا هي ما استقامت أمور الدين ولا أمور الدنيا ، وسمى قلما لأنه يقلم : أي يقطع ( علم الإنسان ما لم يعلم ) هذه الجملة بدل اشتمال من التي قبلها : أي علمه بالقلم من الأمور الكلية والجزئية ما لم يعلم به منها ، قيل المراد بالإنسان هنا آدم كما في قوله - وعلم آدم الأسماء كلها - وقيل الإنسان هنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والأولى حمل الإنسان على العموم ، والمعنى : أن من علمه الله سبحانه من هذا الجنس بواسطة القلم فقد علمه ما لم يعلم ، وقوله ( كلا ) ردع وزجر لمن كفر نعم الله عليه بسبب طغيانه ، وإن لم يتقدم له ذكر ، ومعنى ( إن الإنسان ليطغى ) أنه يجاوز الحد ويستكبر على ربه . وقيل المراد بالإنسان هنا أبو جهل ، وهو المراد بهذا وما بعده إلى آخر السورة ، وأنه تأخر نزول هذا وما بعده عن الخمس الآيات المذكورة في أول هذه السورة . وقيل " كلا " هنا بمعنى حقا قاله الجرجاني ، وعلل ذلك بأنه