الشوكاني
424
فتح القدير
لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب ( سنقرئك فلا تنسى ) أي سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة فلا تنسى ما تقرؤه ، والجملة مستأنفة لبيان هدايته صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة به بعد بيان الهداية العامة ، وهي هدايته صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ القرآن . قال مجاهد والكلبي : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأولها مخافة أن ينساها ، فنزلت ( سنقرئك فلا تنسى ) وقوله ( إلا ما شاء الله ) استثناء مفرغ من أعم المفاعيل : أي لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه . قال الفراء : وهو لم يشأ سبحانه أن ينسى محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئا كقوله - خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك - وقيل إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك ، فإذن قد نسي ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئا نسيانا كليا . وقيل بمعنى النسخ : أي إلا ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته . وقيل معنى فلا تنسى : فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه . وقيل المعنى : إلا ما شاء الله أن يؤخر إنزاله . وقيل " لا " في قوله ( فلا تنسى ) للنهي . والألف مزيدة لرعاية الفاصلة ، كما في قوله - فأضلونا السبيلا - يعني فلا تغفل قراءته وتذكره ( إنه يعلم الجهر وما يخفى ) الجملة تعليل لما قبلها : أي يعلم ما ظهر وما بطن والإعلان والإسرار ، وظاهره العموم فيندرج تحته ما قيل إن الجهر ما حفظه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن ، وما يخفى هو ما نسخ من صدره ، ويدخل تحته أيضا ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة ، وما يخفى هو إخفاؤها ، ويدخل تحته أيضا ما قيل إن الجهر جهره صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه ، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر ( ونيسرك لليسرى ) معطوف على سنقرئك ، وما بينهما اعتراض . قال مقاتل : أي نهون عليك عمل الجنة ، وقيل نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل ، وقيل للشريعة اليسرى ، وهي الحنيفية السهلة ، وقيل نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به ، والأولى حمل الآية على العموم : أي نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك ( فذكر إن نفعت الذكرى ) أي عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك وأرشدهم إلى سبل الخبر واهدهم إلى شرائع الدين . قال الحسن : تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر . قال الواحدي : إن نفعت أو لم تنفع ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث مبلغا للإعذار والإنذار ، فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع ، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله - سرابيل تقيكم الحر - الآية . قال الجرجاني : التذكير واجب وإن لم ينفع ، فالمعنى : إن نفعت الذكرى أو لم تنفع . وقيل إنه مخصوص في قوم بأعيانهم ، وقيل إن بمعنى ما : أي فذكر ما نفعت الذكرى ، لأن الذكرى نافعة بكل حال ، وقيل إنها بمعنى قد ، وقيل إنها بمعنى إذ . وما قاله الواحدي والجرجاني أولى وقد سبقهما إلى القول به الفراء والنحاس . قال الرازي : إن قوله ( إن نفعت الذكرى ) للتنبيه على أشرف الحالين وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى ، والمعلق بأن على الشئ لا يلزم أن يكون عدما عند عدم ذلك الشئ ، ويدل عليه آيات : منها هذه الآية ، ومنها قوله تعالى - واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون - ومنها قوله - ولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم - فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه ، ومنها قوله - فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله - والمراجعة جائزة بدون هذا الظن ، فهذا الشرط فيه فوائد : منها ما تقدم ، ومنها للبعث على الانتفاع بالذكرى كما يقول الرجل لمن يرشده : قد أوضحت لك إن كنت تعقل ، وهو تنبيه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنها لا تنفعهم الذكرى ، أو يكون هذا في تكرير الدعوة ، فأما الدعاء الأول فعام انتهى . ثم بين سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى ومن لا تنفعه فقال ( سيذكر