الشوكاني
42
فتح القدير
والمعونة عليهم ( ولن يتركم أعمالكم ) أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم ، يقال وتره يتره وترا : إذا نقصه حقه وأصله من وترت الرجل : إذا قتلت له قريبا أو نهبت له مالا ، ويقال فلان مأتور : إذا قتل له قتيل ولم يؤخذ بدمه . قال الجوهري : أي لن ينقصكم في أعمالكم كما تقول دخلت البيت وأنت تريد في البيت . قال الفراء : هو مشتق من الوتر وهو الدخل ، وقيل مشتق من الوتر وهو الفرد ، فكأن المعنى : ولن يفردكم بغير ثواب ( إنما الحياة الدنيا لعب ولهو ) أي باطل وغرور لا أصل لشئ منها ولا ثبات له ولا اعتداد به ( وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ) أي إن تؤمنوا بالله وتتقوا الكفر والمعاصي يؤتكم جزاء ذلك في الآخرة ، والأجر الثواب على الطاعة ( ولا يسألكم أموالكم ) أي لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات ، بل أمركم بإخراج القليل منها وهو الزكاة . وقيل المعنى : لا يسألكم أموالكم إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها ، وهو المنعم عليكم بإعطائها . وقيل لا يسألكم أموالكم أجرا على تبليغ الرسالة كما في قوله - ما أسألكم عليه من أجر - والأول أولى ( إن يسألكموها ) أي أموالكم كلها ( فيحفكم ) قال المفسرون : يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها ، يقال أحفى بالمسألة وألحف وألح بمعنى واحد ، والمعنى المستقصى في السؤال ، والإحفاء الاستقصاء في الكلام ، ومنه إحفاء الشارب : أي استئصاله ، وجواب الشرط قوله ( تبخلوا ) أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها وتمتنعوا من الامتثال ( ويخرج أضغانكم ) معطوف على جواب الشرط ، ولهذا قرأ الجمهور " يخرج " بالجزم ، وروى عن أبي عمرو أنه قرأ بالرفع على الاستئناف ، وروى عنه أنه قرأ بفتح الياء وضم الراء ورفع أضغانكم ، وروى عن يعقوب الحضرمي أنه قرأ بالنون ، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن وحميد بالفوقية المفتوحة مع ضم الراء . وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله سبحانه ، أو إلى البخل المدلول عليه بتبخلوا . والأضغان : الأحقاد ، والمعنى : أنها تظهر عند ذلك . قال قتادة : قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان ( ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ) أي ها أنتم هؤلاء أيها المؤمنون تدعون لتنفقوا في الجهاد وفي طريق الخير ( فمنكم من يبخل ) بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله ، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال ، فكيف لا تبخلون بالكثير وهو جميع الأموال . ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال ( ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ) أي يمنعها الأجر والثواب ببخله ، وبخل يتعدى بعلى تارة وبعن أخرى . وقيل إن أصله أن يتعدى بعلى ولا يتعدى بعن إلا إذا ضمن معنى الإمساك ( والله الغنى ) المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم ( وأنتم الفقراء ) إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة ، وجملة ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ) معطوفة على الشرطية المتقدمة وهي وإن تؤمنوا ، والمعنى : وإن تعرضوا عن الإيمان والتقوى يستبدل قوما آخرين يكونون مكانكم هم أطوع لله منكم ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) في التولي عن الإيمان والتقوى . قال عكرمة : هم فارس والروم . وقال الحسن : هم العجم . وقال شريح ابن عبيد : هم أهل اليمن ، وقيل الأنصار ، وقيل الملائكة ، وقيل التابعون . وقال مجاهد : هم من شاء الله من سائر الناس . قال ابن جرير : والمعنى ( ثم لا يكونوا أمثالكم ) في البخل بالإنفاق في سبيل الله . وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل حتى نزلت ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ) فخافوا أن يبطل الذنب العمل ، ولفظ عبد بن حميد : فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم . وأخرج ابن نصر وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبي