الشوكاني
406
فتح القدير
غلط ، لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع حتى إذا كقوله - حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها - ومع لما كقوله - فلما أسلما وتله للجبين وناديناه - ولا تقحم مع غير هذين . وقيل إن الجواب قوله - فملاقيه - أي فأنت ملاقيه ، وبه قال الأخفش : وقال المبرد : إن في الكلام تقديما وتأخيرا : أي يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه إذا السماء انشقت . وقال المبرد أيضا : إن الجواب قوله ( فأما من أوتى كتابه بيمينه ) وبه قال الكسائي ، والتقدير : إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا ، وقيل هو ( يا أيها الإنسان ) على إضمار الفاء ، وقيل إنه ( يا أيها الإنسان ) على إضمار القول : أي يقال له يا أيها الإنسان وقيل الجواب محذوف تقديره بعثتم ، أو لا قي كل إنسان عمله ، وقيل هو ما صرح به في سورة التكوير : أي علمت نفس هذا ، على تقدير أن إذا شرطية ، وقيل ليست بشرطية وهي منصوبة بفعل محذوف : أي أذكر ، أو هي مبتدأ وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة وتقديره : وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض ، ومعنى ( وأذنت لربها ) أنها أطاعته في الانشقاق من الإذن ، وهو الاستماع للشئ والإصغاء إليه ( وحقت ) أي وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع ، ومن استعمال الإذن في الاستماع قول الشاعر : صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وقول الآخر : إن يأذنوا ريبة طاروا بها فرحا * منى وما أذنوا من صالح دفنوا وقيل المعنى . وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق : أي جعلها حقيقة بذلك . قال الضحاك : حقت أطاعت ، وحق لها أن تطيع ربها لأنه خلقها ، يقال فلان محقوق بكذا ، ومعنى طاعتها : أنها لا تمنع مما أراده الله بها . قال قتادة : حق لها أن تفعل ذلك ، ومن هذا قول كثير : فإن تكن العتبى فأهلا ومرحبا * وحقت لها العتبى لدينا وقلت ( وإذا الأرض مدت ) أي بسطت كما تبسط الأدم ، ودكت جبالها حتى صارت قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا . قال مقاتل : سويت كمد الأديم فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها ، وقيل مدت زيد في سعتها ، من المدد ، وهو الزيادة ( وألقت ما فيها ) أي أخرجت ما فيها من الأموات والكنوز وطرحتهم إلى ظهرها ( وتخلت ) من ذلك . قال سعيد بن جبير : ألقت ما في بطنها من الموتى وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء ، ومثل هذا قوله - وأخرجت الأرض أثقالها - ( وأذنت لربها ) أي سمعت وأطاعت لما أمرها به من الإلقاء والتخلي ( وحقت ) أي وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد له ، وقد تقدم بيان معنى الفعلين قبل هذا ( يا أيها الإنسان ) المراد جنس الإنسان فيشمل المؤمن والكافر ، وقيل هو الإنسان الكافر ، والأول أولى لما سيأتي من التفصيل ( إنك كادح إلى ربك كدحا ) الكدح في كلام العرب : السعي في الشئ بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشئ خيرا أو شرا ، والمعنى : أنك ساع إلى ربك في عملك ، أو إلى لقاء ربك ، مأخوذ من كدح جلده : إذا خدشه . قال ابن مقبل : وما الدهر إلا تارتان فمنها * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح قال قتادة والضحاك والكلبي : عامل لربك عملا ( فملاقيه ) أي فملاق عملك ، والمعنى : أنه لا محالة ملاق لجزاء عمله وما يترتب عليه من الثواب والعقاب قال القتيبي : معنى الآية : إنك كادح : أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك . والملاقاة بمعنى اللقاء : أي تلقى ربك بعملك ، وقيل فملاق كتاب عملك ، لأن العمل قد انقضى ( فأما من أوتى كتابه بيمينه ) وهم المؤمنون ( فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) لا مناقشة فيه . قال مقاتل :