الشوكاني

403

فتح القدير

إما أن يكون من ختام الشئ وهو آخره ، أو من ختم الشئ وهو جعل الخاتم عليه كما تختم الأشياء بالطين ونحوه . قرأ الجمهور " ختامه " وقرأ على وعلقمة وشقيق والضحاك وطاووس والكسائي " خاتمه " بفتح الخاء والتاء وألف بينهما . قال علقمة : أما رأيت المرأة تقول للعطار : اجعل خاتمه مسكا : أي آخره ، والخاتم والختام يتقاربان في المعنى ، إلا أن الخاتم الاسم والختام المصدر ، كذا قال الفراء قال في الصحاح : والختام الطين الذي يختم به ، وكذا قال ابن زيد . قال الفرزدق : وتبين بجانبي مصرعات * وبت أفض أغلاف الختام ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) أي فليرغب الراغبون ، والإشارة بقوله " ذلك إلى الرحيق الموصوف بتلك الصفة ، وقيل إن في بمعنى إلى : أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل كما في قوله - لمثل هذا فليعمل العاملون - وأصل التنافس التشاجر على الشئ والتنازع فيه ، بأن يحب كل واحد أن يتفرد به دون صاحبه ، يقال نفست الشئ عليه أنفسه نفاسة : أي ظننت به ولم أحب أن يصير إليه . قال البغوي : أصله من الشئ النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس فيريده كل واحد لنفسه ، وينفس به على غيره : أي يظن به . قال عطاء : المعنى فليستبق المستبقون . وقال مقاتل بن سليمان : فليتنازع المتنازعون ، وقوله ( ومزاجه من تسنيم ) معطوف على ( ختامه مسك ) صفة أخرى لرحيق : أي ومزاج ذلك الرحيق من تسنيم ، وهو شراب ينصب عليهم من علو ، وهو أشرف شراب الجنة ، وأصل التسنيم في اللغة الارتفاع ، فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل ، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه ، ومنه تسنيم القبور ، ثم بين ذلك فقال ( عينا يشرب بها المقربون ) وانتصاب عينا على المدح . وقال الزجاج : على الحال ، وإنما جاز أن تكون عينا حالا مع كونها جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله يشرب بها ) وقال الأخفش : إنها منصوبة بيسقون : أي يسقون عينا ، أو من عين . وقال الفراء : إنها منصوبة بتسنيم على أنه مصدر مشتق من السنام كما قي قوله - أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما - والأول أولى ، وبه قال المبرد . قيل والباء في بها زائدة : أي يشربها ، أو بمعنى من : أي يشرب منها . قال ابن زيد : بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش ، قيل يشرب بها المقربون صرفا ، ويمزج بها كأس أصحاب اليمين . ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال ( إن الذين أجرموا ) وهم كفار قريش ومن وافقهم على الكفر ( كانوا من الذين آمنوا يضحكون ) أي كانوا في الدنيا يستهزئون بالمؤمنين ، ويسخرون منهم ( وإذا مروا بهم ) أي وإذا مر المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم ( يتغامزون ) من الغمز ، وهو الإشارة بالجفون والحواجب : أي يغمز بعضهم بعضا ، ويشيرون بأعينهم وحواجبهم ، وقيل يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به ( وإذا انقلبوا ) أي الكفار ( إلى أهلهم ) من مجالسهم ( انقلبوا فاكهين ) أي معجبين بما هم فيه متلذذين به ، يتفكهون بذكر المؤمنين والطعن فيهم والاستهزاء بهم والسخرية منهم ، والانقلاب : الانصراف . قرأ الجمهور " فاكهين " وقرأ حفص وابن القعقاع والأعرج والسلمي " فكهين " بغير الألف . قال الفراء : هما لغتان ، مثل طمع وطامع ، وحذر وحاذر . وقد تقدم بيانه في سورة الدخان أن الفكه : الأشر البطر ، والفاكه : الناعم المتنعم ( وإذا رأوهم ) أي إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان ( قالوا إن هؤلاء لضالون ) في اتباعهم محمدا ، وتمسكهم بما جاء به ، وتركهم التنعم الحاضر ، ويجوز أن يكون المعنى : وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا هذا القول ، والأول أولى ، وجملة ( وما أرسلوا عليهم حافظين ) في محل نصب على الحال من فاعل قالوا : أي قالوا ذلك أنهم لم يرسلوا على المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم ( فاليوم الذين آمنوا ) المراد باليوم : اليوم الآخر ( من الكفار يضحكون ) والمعنى : أن المؤمنين