الشوكاني

4

فتح القدير

قوله ( حم ) قد تقدم الكلام في هذه الفاتحة وفي إعرابها في فاتحة سورة غافر وما بعدها ، فإن جعل اسما للسورة فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ ، وإن جعل حروفا مسرودة على نمط التعديد فلا محل له ، وقوله ( تنزيل الكتاب ) على الوجه الأول خبر ثان ، وعلى الوجه الثاني خبر المبتدأ ، وعلى الوجه الثالث خبر مبتدأ محذوف ، أو مبتدأ وخبره ( من الله العزيز الحكيم ) ثم أخبر سبحانه بما يدل على قدرته الباهرة فقال ( إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين ) أي فيها نفسها فإنها من فنون الآيات أو في خلقها . قال الزجاج : ويدل على أن المعنى في خلق السماوات والأرض قوله ( وفي خلقكم ) أي في خلقكم أنفسكم على أطوار مختلفة . قال مقاتل : من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنسانا ( وما يبث من دابة آيات ) أي وفي خلق ما يبث من دابة ، وارتفاع آيات على أنها مبتدأ مؤخر وخبره الظرف قبله ، وبالرفع قرأ الجمهور ، وقرأ حمزة والكسائي " آيات " بالنصب عطفا على اسم إن ، والخبر قوله ( وفي خلقكم ) كأنه قيل : وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات ، أو على أنها تأكيد لآيات الأولى . وقرأ الجمهور أيضا ( آيات لقوم يعقلون ) بالرفع وقرأ حمزة والكسائي بنصبها مع اتفاقهم على الجر في اختلاف ، أما جر اختلاف فهو على تقدير حرف الجر : أي ( و ) في ( اختلاف الليل والنهار ) آيات ، فمن رفع آيات فعلى أنها مبتدأ ، وخبرها : في اختلاف ، وأما النصب فهو من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين . قال الفراء : الرفع على الاستئناف بعد إن ، تقول العرب : إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال ، ينصبون الثاني ويرفعونه وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل . والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين وحجج المجوزين له وجوابات المانعين له مقرر في علم النحو مبسوط في مطولاته . ومعنى ( ما يبث من دابة ) ما يفرقه وينشره ( واختلاف الليل والنهار ) تعاقبهما أو تفاوتهما في الطول والقصر ، وقوله ( وما أنزل الله من السماء من رزق ) معطوف على اختلاف ، والرزق المطر ، لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به ، وإحياء الأرض : إخراج نباتها ، و ( موتها ) خلوها عن النبات ( و ) معنى ( تصريف الرياح ) أنها تهب تارة من جهة ، وتارة من أخرى ، وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة ، وتارة نافعة وتارة ضارة ( تلك آيات الله نتلوها عليك ) أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه ، ومحل : نتلوها عليك النصب على الحال ، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر اسم الإشارة ، وآيات الله بيان له أو بدل منه ، وقوله ( بالحق ) حال من فاعل نتلو ، أو من مفعوله : أي محقين ، أو ملتبسة