الشوكاني
388
فتح القدير
سورة التكوير ( 14 - 29 ) قوله ( إذا الشمس كورت ) ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال ، وهذا عند البصريين ، وأما عند الكوفيين والأخفش فهو مرتفع على الابتداء . والتكوير الجمع ، وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها . قال الزجاج : لفت كما تلف العمامة ، يقال : كورت العمامة على رأسي أكورها كورا ، وكورتها تكويرا : إذا لففتها . قال أبو عبيدة : كورت مثل تكوير العمامة تلف فتجمع . قال الربيع بن خثيم كورت : أي رمى بها ، ومنه كورته فتكور : أي سقط . وقال مقاتل وقتادة والكلبي : ذهب ضوؤها . وقال مجاهد : اضمحلت . قال الواحدي : قال المفسرون : تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف فيرمى بها . فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها ، أو لف ضوئها ، أو الرمي بها ( وإذا النجوم انكدرت ) أي تهافتت وانقضت وتناكرت ، يقال انكدر الطائر من الهواء : إذا انقض ، والأصل في الانكدار الانصباب . قال الخليل : يقال انكدر عليهم القوم : إذا جاءوا أرسالا فانصبوا عليهم . قال أبو عبيدة : انصيت كما ينصب العقاب . قال الكلبي : وعطاء : تمطر السماء يومئذ نجوما ، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض ، وقيل انكدارها طمس نورها ( وإذا الجبال سيرت ) أي قلعت عن الأرض ، وسيرت في الهواء ، ومنه قوله - ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة - . ( وإذا العشار عطلت ) العشار : النوق الحوامل التي في بطونها أولادها الواحدة عشراء ، وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع . وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب ، وأعزه عندهم ، ومعنى عطلت : تركت هملا بلا راع ، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم ، قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا تكون فيه ناقة عشراء ، بل المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم أو نوق عشار لتركها ولم يلتفت إليها اشتغالا بما هو فيه من هول يوم القيامة ، وسيأتي آخر البحث إن شاء الله ما يفيد أن هذا في الدنيا . وقيل العشار السحاب ، فإن العرب تشبهها بالحامل ، ومنه قوله - والحاملات وقرا - وتعطيلها عدم إمطارها قرأ الجمهور " عطلت " بالتشديد ، وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف . وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن ، وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل فلا تزرع ( وإذا الوحوش حشرت ) الوحوش ما توحش من دواب البر ، ومعنى حشرت : بعثت حتى يقتص بعضها من بعض ، فيقتص للجماء من القرناء . وقيل حشرها موتها ، وقيل إنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحاري تضم ذلك اليوم إليهم . قرأ الجمهور " حشرت " بالتخفيف ، وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون بالتشديد ( وإذا البحار سجرت ) أي أوقدت فصارت نارا تضطرم . وقال الفراء : ملئت