الشوكاني
384
فتح القدير
يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته ، أو قضى حاجته . وقيل يؤثرون منافع غيرهم على منافعهم : وقيل يتكرمون على المؤمنين بالاستغفار لهم . والبررة جمع بار مثل كفرة وكافر : أي أتقياء مطيعون لربهم صادقون في إيمانهم ، وقد تقدم تفسيره ( قتل الإنسان ما أكفره ) أي لعن الإنسان الكافر ما أشد كفره ، وقيل عذب ، قيل والمراد به عتبة بن أبي لهب ، ومعنى ما أكفره التعجب من إفراط كفره . قال الزجاج : معناه أعجبوا أنتم من كفره ، وقيل المراد بالإنسان من تقدم ذكره في قوله - أما من استغنى - وقيل المراد به الجنس ، وهذا هو الأولى ، فيدخل تحته كل كافر شديد الكفر ، ويدخل تحته من كان سببا لنزول الآية دخولا أوليا . ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره ويكف عن طغيانه فقال ( من أي شئ خلقه ) أي من أي شئ خلق الله هذا الكافر والاستفهام للتقرير . ثم فسر ذلك فقال ( من نطفة خلقه ) أي من ماء مهين ، وهذا تحقير له . قال الحسن : كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين ، ومعنى ( فقدره ) أي فسواه وهيأه لمصالح نفسه ، وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات والحواس ، وقيل قدره أطوارا من حال إلى حال ، نطفة ثم علقة إلى أن تم خلقه ( ثم السبيل يسره ) أي يسر له الطريق إلى الخير والشر . وقال السدى ومقاتل وعطاء وقتادة : يسره للخروج من بطن أمه ، والأول أولى . ومثله قوله - وهديناه النجدين - وانتصاب السبيل بمضمر يدل عليه الفعل المذكور : أي يسر السبيل يسره ( ثم أماته فأقبره ) أي جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراما له ، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير ، كذا قال الفراء : وقال أبو عبيدة : جعل له قبرا وأمر أن يقبر فيه . وقال أقبره ، ولم يقل قبره ، لأن القابر هو الدافن بيده ، ومنه قول الأعشى : لو أسندت ميتا إلى صدرها * عاش ولم ينقل إلى قابر ( ثم إذا شاء أنشره ) أي ثم إذا شاء إنشاره أنشره : أي أحياه بعد موته ، وعلق الإنشار بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين ، بل هو تابع للمشيئة . قرأ الجمهور " أنشره " بالألف ، وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب بن أبي حمزة نشره بغير ألف ، وهما لغتان فصيحتان ( كلا لما يقضى ما أمره ) كلا ردع وزجر للإنسان الكافر : أي ليس الأمر كما يقول . ومعنى : لما يقض ما أمره ، لم يقض ما أمره الله به من العمل بطاعته واجتناب معاصيه ، وقيل المراد الإنسان على العموم ، وأنه لم يفعل ما أمره الله به مع طول المدة لأنه لا يخلو من تقصير . قال الحسن : أي حقا لم يعمل ما أمر به . وقال ابن فورك : أي كلا لما يقض لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان ، بل أمره بما لم يقض له . قال ابن الأنباري : الوقف على كلا قبيح والوقف على أمره جيد ، وكلا على هذا بمعنى حقا . وقيل المعنى : لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره ، بل أخل به : بعضها بالكفر ، وبعضها بالعصيان ، وما قضى ما أمره الله إلا القليل . ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه على عباده ليشكروها ، وينزجروا عن كفرانها بعد ذكر النعم المتعلقة بحدوثه فقال ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) أي ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته ؟ وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية ؟ قال مجاهد : معناه فلينظر الإنسان إلى طعامه : أي إلى مدخله ومخرجه ، والأول أول . ثم بين ذلك سبحانه فقال ( أنا صببنا الماء صبا ) قرأ الجمهور " إنا " بالكسر على الاستئناف . وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من طعامه بدل اشتمال لكون نزول المطر سببا لحصول الطعام ، فهو كالمشتمل عليه ، أو بتقدير لام العلة . قال الزجاج : الكسر على الابتداء والاستئناف ، والفتح على معنى البدل من الطعام . المعنى : فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا ، وأراد بصب الماء المطر ،