الشوكاني

380

فتح القدير

مصدرية ، أو موصولة ( وبرزت الجحيم لمن يرى ) معطوف على جاءت ، ومعنى برزت : أظهرت إظهارا لا يخفى على أحد . قال مقاتل : يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق ، وقيل ( لمن يرى ) من الكفار ، لا من المؤمنين ، والظاهر أن تبرز لكل راء ، فأما المؤمن فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها ، وأما الكافر فيزداد غما إلى غمه وحسرة إلى حسرته . قرأ الجمهور " لمن يرى " بالتحتية ، وقرأت عائشة ومالك بن دينار وعكرمة وزيد بن علي بالفوقية : أي لمن تراه الجحيم ، أو لمن تراه أنت يا محمد . وقرأ ابن مسعود " لمن رأى " على صيغة الفعل الماضي ( فأما من طغى ) أي جاوز الحد في الكفر والمعاصي ( وآثر الحياة الدنيا ) أي قدمها عن الآخرة ولم يستعد لها ولا عمل عملها ( فإن الجحيم هي المأوى ) أي مأواه ، والألف واللام عوض عن المضاف إليه ، والمعنى : أنها منزله الذي ينزله ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها . ثم ذكر القسم الثاني من القسمين فقال ( وأما من خاف مقام ربه ) أي حذر مقامه بين يدي ربه يوم القيامة . قال الربيع : مقامه يوم الحساب . قال قتادة : يقول إن لله عز وجل مقاما قد خافه المؤمنون . وقال مجاهد : هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل عند مواقعة الذنب فيقلع عنه ، نظيره قوله - ولمن خاف مقام ربه جنتان - والأول أولى ( ونهى النفس عن الهوى ) أي زجرها عن الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها . قال مقاتل : الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها ( فإن الجنة هي المأوى ) أي المنزل الذي ينزله والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) أي متى وقوعها وقيامها . قال الفراء : أي منتهى قيامها كرسو السفينة . قال أبو عبيدة : ومرسي السفينة حين تنتهي ، والمعنى : يسألونك عن الساعة متى يقيمها اس‍ ، وقد مضى بيان هذا في سورة الأعراف ( فيم أنت من ذكراها ) أي في أي شئ أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها ، والمعنى : لست في شئ من علمها وذكراها إنما يعلمها الله سبحانه ، وهو إنكار ورد لسؤال المشركين عنها : أي فيم أنت من ذلك حتى يسألونك عنه ولست تعلمه ( إلى ربك مناها ) أي منتهى علمها فلا يوجد علمها عند غيره ، وهذا كقوله - قل إنما علمها عند ربي - وقوله - إن الله عنده علم الساعة - فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها ( إنما أنت منذر من يخشاها ) أي مخوف لمن يخشى قيام الساعة ، وذلك وظيفتك ليس عليك غيره من الإخبار بوقت قيام الساعة ونحوه مما استأثر الله بعلمه ، وخص الإنذار بمن يخشى ، لأنهم المنتفعون بالإنذار وإن كان منذرا لكل مكلف من مسلم وكافر . قرأ الجمهور بإضافة " منذر " إلى ما بعده . وقرأ عمر بن عبد العزيز وأبو جعفر وطلحة وابن محيصن وشيبة والأعرج وحميد بالتنوين ، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو . قال الفراء : والتنوين وتركه في منذر صواب كقوله - بالغ أمره - - وموهن كيد الكافرين - . قال أبو علي الفارسي : يجوز أن تكون الإضافة للماضي ، نحو ضارب زيد أمس ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) أي إلا قدر آخر نهار أو أوله ، أو قدر الضحى الذي يلي تلك العشية ، والمراد تقليل مدة الدنيا ، كما قال - لم يلبثوا إلا ساعة من نهار - وقيل لم يلبثوا في قبورهم إلا عشية أو ضحاها . قال الفراء والزجاج : المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافته إلى يوم العشية على عادة العرب ، يقولون : آتيك الغداة أو عشيتها ، وآتيك العشية أو غداتها فتكون العشية في معنى آخر النهار ، والغداة في معنى أول النهار . ومنه قول الشاعر : نحن صبحنا عامرا في دارها * جردا تعادي طرفي نهارها * عشية الهلال أو سرارها والجملة تقرير لما يدل عليه الإنذار من سرعة مجئ المنذر به .