الشوكاني

376

فتح القدير

تفسير للنداء : أي ناداه نداء هو قوله اذهب ، وقيل هو على حذف أن المفسرة ، ويؤيده قراءة ابن مسعود ، اذهب ، لأن في النداء معنى القول ، وجملة ( إنه طغى ) تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال : أي جاوز الحد في العصيان والتكبر والكفر بالله ( فقل ) له ( هل لك إلي أن تزكى ) أي قوله بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى التزكي وهو التطهر من الشرك ، وأصله تتزكى فحذفت إحدى التاءين . قرأ الجمهور " تزكى " بالتخفيف . وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي . قال أبو عمرو بن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكيا مؤمنا ومعنى قراءة التشديد الصدقة ، وفي الكلام مبتدأ مقدر يتعلق به إلى ، والتقدير : هل لك رغبة أو هل لك توجه أو هل لك سبيل إلى التزكي ، ومثل هذا قولهم هل لك في الخير ؟ يريدون هل لك رغبة في الخير ، ومن هذا قول الشاعر : فهل لكم فيها إلى فإنني * بصير بما أعيا النطاسي جذيما ( وأهديك إلى ربك فتخشى ) أي أرشدك إلى عبادته وتوحيده فتخشى عقابه ، والفاء لترتيب الخشية على الهداية ، لأن الخشية لا تكون إلا من مهتد راشد ( فأراه الآية الكبرى ) هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف ، يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير موضع ، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال - إن كنت جئت بآية فأت بها - فعند ذلك أراه الآية الكبرى . واختلف في الآية الكبرى ما هي ؟ فقيل العصا ، وقيل يده ، وقيل فلق البحر ، وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع ( فكذب وعصى ) أي فلما أراه الآية الكبرى كذب بموسى وبما جاء به وعصى الله عز وجل فلم يطعه ( ثم أدبر ) أي تولى وأعرض عن الإيمان ( يسعى ) أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى ، وقيل أدبر هاربا من الحية يسعى خوفا منها . وقال الرازي : معنى ( أدبر يسعى ) أقبل يسعى ، كما يقال أقبل يفعل كذا : أي أنشأ يفعل كذا ، فوضع أدبر موضع أقبل لئلا يوصف بالاقبال ( فحشر ) أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة ، أو جمع السحرة للمعارضة ، أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع ، أو جمعهم ليمنعوه من الحية ( فنادى فقال أنا ربكم الأعلى ) أي قال لهم بصوت عال ، أو أمر من ينادى بهذا القول . ومعنى ( أنا ربكم الأعلى ) أنه لا رب فوقي . قال عطاء : كان صنع لهم أصناما صغارا وأمرهم بعبادتها وقال : أنا رب أصنامكم وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم . والأول أولى لقوله في آية أخرى - ما علمت لكم من إله غيري - ( فأخذه الله نكال الآخرة والأولى ) النكال نعت مصدر محذوف : أي أخذه أخذة نكال ، أو هو مصدر لفعل محذوف : أي أخذه الله فنكله نكال الآخرة والأولى ، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة ، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق . وقال مجاهد : عذاب أول عمره وآخره . وقال قتادة : الآخرة قوله " أنا ربكم الأعلى " والأولى تكذيبه لموسى . وقيل الآخرة قوله " أنا ربكم الأعلى " والأولى قوله - ما علمت لكم من إله غيري - وكان بين الكلمتين أربعون سنة ، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول له : أي أخذه الله لأجل نكال ، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض : أي بنكال . ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد ، قال : لأن معنى أخذه الله : نكل الله به ، فأخرج من معناه لا من لفظه . وقال الفراء : أي أخذه الله أخذا نكالا : أي للنكال والنكال اسم لما جعل نكالا للغير : أي عقوبة له ، يقال نكل فلان بفلان : إذا عاقبه ، وأصل الكلمة من الامتناع ، ومنه النكول عن اليمين ، والنكل القيد ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ) أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به عبرة عظيمة لمن شأنه أن يخشى الله ويتقيه ، ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه .