الشوكاني

374

فتح القدير

بإضمار أذكر ، والراجفة المضطربة ، يقال رجف يرجف : إذا اضطرب ، والمراد هنا الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد ، وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق ، والرادفة : النفخة الثانية التي تكون عند البعث ، وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى ، كذا قال جمهور المفسرين . وقال ابن زيد : الراجفة الأرض ، والرادفة الساعة . وقال مجاهد : الرادفة الزلزلة تتبعها الرادفة الصيحة ، وقيل الراجفة اضطراب الأرض والرادفة الزلزلة ، وأصل الرجفة الحركة ، وليس المراد التحرك هنا فقط ، بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم : رجف الرعد يرجف رجفا ورجيفا : إذا ظهر صوته ، ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها وظهور الأصوات فيها ، ومنه قول الشاعر : أبا لأراجيف يا ابن اللؤم توعدني * وفي الأراجيف خلت اللؤوم والخورا لأنه ومحل ( تتبعها الرادفة ) النصب على الحال من الراجفة ، والمعنى : لتبعثن يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها ( قلوب يومئذ واجفة ) قلوب مبتدأ ، ويومئذ منصوب بواجفة ، وواجفة صفة قلوب ، وجملة ( أبصارها خاشعة ) خبر قلوب والراجفة المضطربة القلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة . قال جمهور المفسرين : أي خائفة وجلة . وقال السدي : زائلة عن أماكنها ، نظيره - إذ القلوب لدى الحناجر - وقال المؤرج : قلقة مستوفرة . وقال المبرد : مضطربة ، يقال وجف القلب يجف وجيفا : إذا خفق كما يقال وجب يجب وجيبا ، والإيجاف : السير السريع ، فأصل الوجيف اضطراب القلب ، ومنه قول قيس بن الخطيم : إن بنى جحجبى وقومهم * أكبادنا من ورائهم تجف * أبصارها خاشعة : أي أبصار أصحابها ، فحذف المضاف ، والخاشعة الذليلة ، والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخضوع عند معاينة أهوال يوم القيامة كقوله - خاشعين من الذل - قال عطاء : يريد أبصار من مات على غير الإسلام ، ويدل على هذا أن السياق في منكري البعث ( يقولون أإنا لمردودون في الحافرة ) هذا حكاية لما يقوله المنكرون للبعث إذا قيل لهم إنكم تبعثون : أي أنرد إلى أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا ، يقال رجع فلان في حافرته : أي رجع من حيث جاء ، والحافرة عند العرب اسم لأول الشئ وابتداء الأمر ، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته : أي على الطريق الذي جاء منه ، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة : أي عند أول ما التقوا وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى محفورة ، ومن هذا قول الشاعر : أحافرة على صلع وشيب * معاذ الله من سفه وعار أي أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل بعد الشيب والصلع ، وقيل الحافرة : العاجلة ، والمعنى : إنا لمردودون إلى الدنيا ، وقيل الحافرة : الأرض التي تحفر فيها قبورهم ، ومنه قول الشاعر : آليت لا أنساكم فاعلموا * حتى يرد الناس في الحافره والمعنى : إنا لمردودون في قبورنا أحياء ، كذا قال الخليل والفراء ، وبه قال مجاهد : وقال ابن زيد : الحافرة النار ، واستدل بقوله ( تلك إذا كرة خاسرة ) . قرأ الجمهور " في الحافرة " وقرأ أبو حيوة " في الحفرة " ( إذا كنا عظاما نخرة ) أي بالية متفتتة ، يقال نخر العظم بالكسر : إذا بلى ، وهذا تأكيد لإنكار البعث : أي كيف نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاما نخرة ، والعامل في إذا مضمر يدل عليه مردودون : أي أئذا كنا عظاما بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شئ من الحياة . قرأ الجمهور " نخرة " وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر " ناخرة " واختار القراءة