الشوكاني
363
فتح القدير
وتلا عليهم القرآن ، جعلوا يتساءلون بينهم يقولون : ماذا جاء به محمد وما الذي أتى به ؟ فأنزل الله ( عم يتساءلون ) قال الفراء : التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضا كالتقابل ، وقد يستعمل أيضا في أن يتحدثوا به وإن لم يكن بينهم سؤال . قال الله تعالى - وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . قال قائل منهم إني كان لي قرين - الآية ، وهذا يدل على أنه التحدث ، ولفظ ما موضوع لطلب حقائق الأشياء وذلك يقتضي كون المطلوب مجهولا ، فجعل الشئ العظيم الذي يعجز العقل عن أن يحيط بكنهه كأنه مجهول ، ولهذا جاء سبحانه بلفظ ما . ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عن ماذا وبينه فقال ( عن النبأ العظيم ) فأورده سبحانه أولا على طريقة الاستفهام مبهما لتتوجه إليه أذهانهم وتلتفت إليه أفهامهم ، ثم بينه بما يفيد تعظيمه وتفخيمه كأنه قيل : عن أي شئ يتساءلون هل أخبركم به ؟ ثم قيل بطريق الجواب " عن النبأ العظيم " على منهاج قوله - لمن الملك اليوم لله الواحد القهار - فالجار والمجرور متعلق بالفعل الذي قبله ، أو بما يدل عليه . قال ابن عطية : قال أكثر النحاة : عن النبأ العظيم متعلق بيتساءلون الظاهر ، كأنه قال : ألم يتساءلون عن النبأ العظيم ، وقيل ليس بمتعلق بالفعل المذكور ، لأنه كان يلزم دخول حرف الاستفهام فيكون التقدير أعن النبأ العظيم ؟ فلزم أن يتعلق بيتساءلون آخر مقدر ، وإنما كان ذلك النبأ : أي القرآن عظيما ، لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق الرسول ووقوع البعث والنشور . قال الضحاك : يعني نبأ يوم القيامة ، وكذا قال قتادة ، وقد استدل على أن النبأ العظيم هو القرآن بقوله ( الذي هم فيه مختلفون ) فإنهم اختلفوا في القرآن ، فجعله بعضهم سحرا وبعضهم شعرا وبعضهم كهانة وبعضهم قال هو أساطير الأولين . وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره . ويمكن أن يقال إنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة ، فصدق به المؤمنون وكذب به الكافرون ، فقد وقع الاختلاف فيه من هذه الحيثية ، وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل ، ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه - قل هو نبأ عظيم أنتم عليه معرضون - ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة . وأيضا فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث ، فأثبت النصارى المعاد الروحاني ، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني ، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ جنعيذا بجيم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم عين مكسورة مهملة ثم تحتية ساكنة ثم ذال معجمة بعدها ألف . وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالمعاد ، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين والعذاب للعاصين ، وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنهم بقوله - إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما نحن بمبعوثين - وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه ، بل شاكة فيه كما حكى الله عنهم بقوله - إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين - وما حكاه عنهم بقوله - وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى - فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة . وقد قيل إن الضمير في قوله يتساءلون يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعا كانوا يتساءلون عنه ، فأما المسلم فيزداد يقينا واستعدادا وبصيرة في دينه ، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية . قال الرازي : ويحتمل أنهم يسألون الرسول ويقولون : ما هذا الذي يعدنا به من أمر الآخرة . والموصول في محل جر صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيما فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه ( كلا سيعلمون ) ردع لهم وزجر ، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم الكفار ، وبه يندفع ما قيل إن الخلاف بينهم وبين المؤمنين ، فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط ، وقيل كلا بمعنى حقا ، ثم كرر الردع والزجر فقال ( ثم كلا سيعلمون ) للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد . قرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة . وقرأ الحسن وأبو العالية وابن دينار وابن عامر في رواية عنه بالفوقية على الخطاب . وقرأ الضحاك الأول بالفوقية