الشوكاني
359
فتح القدير
( انطلقوا إلى ما كنتم ) هو بتقدير القول : أي يقال لهم توبيخا وتقريعا ( انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون ) في الدنيا تقول لهم ذلك خزنة جهنم : أي سيروا إلى ما كنتم تكذبون به من العذاب ، وهو عذاب النار ( انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب ) أي إلى ظل من دخان جهنم قد سطع ، ثم افترق ثلاث فرق تكونون فيه حتى يفرغ الحساب وهذا شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب شعبا . قرأ الجمهور " انطلقوا " في الموضعين على صيغة الأمر على التأكيد . وقرأ رويس عن يعقوب بصيغة الماضي في الثاني : أي لما أمروا بالانطلاق امتثلوا ذلك فانطلقوا . وقيل المراد بالظل هنا هو السرادق ، وهو لسان من النار يحيط بهم . ثم يتشعب ثلاث شعب فيظلهم حتى يفرغ من حسابهم ، ثم يصيرون إلى النار . وقيل هو الظل من يحموم كما في قوله - في سموم وحميم وظل من يحموم - على ما تقدم . ثم وصف سبحانه هذا الظل تهكما بهم فقال ( لا ظليل ولا يغني من اللهب ) أي لا يظل من الحر ولا يغنى من اللهب . قال الكلبي : لا يرد حر جهنم عنكم . ثم وصف سبحانه النار فقال ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) أي كل شررة من شررها التي ترمى بها كالقصر من القصور في عظمها ، والشرر : ما تطاير من النار متفرقا ، والقصر : البناء العظيم . وقيل القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل حمر وحمرة وتمر وتمرة ، وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ . قال سعيد بن جبير والضحاك : وهي أصول الشجر العظام ، وقيل أعناقه . قرأ الجمهور " كالقصر " بإسكان الصاد ، وهو واحد القصور كما تقدم . وقرأ ابن عباس ومجاهد وحميد والسلمي بفتح الصاد : أي أعناق النخل والقصرة العنق جمعه قصر وقصرات . وقال قتادة : أعناق الإبل . وقرأ سعيد بن جبير بكسر القاف وفتح الصاد ، وهي أيضا جمع قصرة مثل بدر وبدرة وقصع وقصعة . وقرأ الجمهور " بشرر " بفتح الشين . وقرأ ابن عباس وابن مقسم بكسرها مع ألف بين الراءين . وقرأ عيسى كذلك إلا أنه يفتح الشين ، وهي لغات ، ثم شبه الشرر باعتبار لونه فقال ( كأنه جمالات صفر ) وهي جمع جمال ، وهي الإبل أو جمع جمالة . قرأ الجمهور " جمالات " بكسر الجيم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص " جمالة " جمع جمل . وقرأ ابن عباس والحسن وابن جبير وقتادة وأبو رجاء " جمالات " بضم الجيم ، وهي حبال السفن . قال الواحدي : والصفر معناها السود في قول المفسرين . قال الفراء : الصفر سواد الإبل لا يرى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة ، لذلك سمت العرب سود الإبل صفرا . قيل والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شئ بالإبل السود ، ومنه قول الشاعر : تلك خيلي وتلك ركابي * هن صفر أولادها كالزبيب أي هن سود ، قيل وهذا القول محال في اللغة أن يكون شئ يشوبه شئ قليل ، فينسب كله إلى ذلك