الشوكاني
356
فتح القدير
الثالث أقسم سبحانه برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ شرائعه ، وانتصاب ( عرفا ) إلا ( ؟ ؟ ؟ ) على أنه مفعول لأجله : أي المرسلات لأجل العرف وهو ضد النكر ، ومنه قول الشاعر : من يفعل الخير لا يعدم جوازيه * لا يذهب العرف بين الله والناس أو على أنه حال بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضا كعرف الفرس ، تقول العرب : سار الناس إلى فلان عرفا واحدا : إذا توجهوا إليه ، وهم على فلان كعرف الضبع : إذا تألبوا عليه ، أو على أنه مصدر كأنه قال : والمرسلات إرسالا : أي متتابعة ، أو على أنه منصوب بنزع الخافض : أي والمرسلات بالعرف . قرأ الجمهور " عرفا " بسكون الراء : وقرأ عيسى بن عمر بضمها ، وقيل المراد بالمرسلات السحاب لما فيها من نعمة ونقمة فالعاصفات عصفا ) وهي الرياح الشديدة الهبوب . قال القرطبي بغير اختلاف : يقال عصف بالشئ : إذا أباده وأهلكه ، وناقة عصوف : أي تعصف براكبها فتمضى كأنها ريح في السرعة ، ويقال عصفت الحرب بالقوم إذا ذهبت بهم ، وقيل هي الملائكة الموكلون بالرياح يعصفون بها ، وقيل يعصفون بروح الكافر ، وقيل هي الآيات المهلكة كالزلازل ونحوها ( والناشرات نشرا ) يعنى الرياح تأتى بالمطر وهي تنشر السحاب نشرا ، أو الملائكة الموكلون بالسحاب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجو عند النزول بالوحي ، أو هي الأمطار لأنها تنشر النبات . وقال الضحاك : يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم . وقال الربيع : إنه البعث للقيامة بنشر الأرواح ، وجاء بالواو هنا لأنه استئناف قسم آخر ( فالفارقات فرقا ) يعنى الملائكة تأتى بما يفرق بين الحق والباطل والحلال والحرام . وقال مجاهد : هي الريح تفرق بين السحاب فتبدده . وروى عنه أنها آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل ، وقيل هي الرسل فرقوا ما بين ما أمر الله به ونهى عنه ، وبه قال الحسن ( فالملقيات ذكرا ) هي الملائكة ، قال القرطبي بإجماع : أي تلقى الوحي إلى الأنبياء ، وقيل هو جبريل ، وسمى باسم الجمع تعظيما له ، وقيل هي الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم ، قاله قطرب . قرأ الجمهور " فالملقيات " بسكون اللام وتخفيف القاف اسم فاعل ، وقرأ ابن عباس بفتح اللام وتشديد القاف من التلقية وهي إيصال الكلام إلى المخاطب ، والراجح أن الثلاثة الأول للرياح ، والرابع والخامس للملائكة ، وهو الذي اختاره الزجاج والقاضي وغيرهما ( عذرا أو نذرا ) انتصابهما على البدل من ذكرا ، أو على المفعولية ، والعامل فيهما المصدر المنون ، كما في قوله - أو إطعام في يوم ذي مسبغة يتيما - أو على المفعول لأجله : أي للإعذار والإنذار ، أو على الحال بالتأويل المعروف : أي معذرين أو منذرين . قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما . وقرأ زيد بن ثابت وابنه خارجة بن زيد وطلحة بضمهما . وقرأ الحرميان وابن عامر وأبو بكر بسكونها في عذرا وضمها في نذرا . وقرأ الجمهور " عذرا أو نذرا " على العطف بأو . وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة على العطف بالواو بدون ألف ، والمعنى : أن الملائكة تلقى الوحي إعذارا من الله إلى خلقه وإنذارا من عذابه ، كذا قال الفراء ، وقيل عذرا للمحقين ونذرا للمبطلين . قال أبو علي الفارسي : يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله - هذا نذير من النذر الأولى - فيكون نصبا على الحال من الإلقاء : أي يلقون الذكر في حال العذر والإنذار ، أو مفعولان لذكرا : أي تذكر عذرا أو نذرا . قال المبرد : هما بالتثقيل جمع ، والواحد عذير ونذير . ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال ( إنما توعدون لواقع ) أي إن الذي توعدونه من مجئ الساعة والبعث كائن لا محالة ، ثم بين سبحانه متى يقع ذلك فقال ( فإذا النجوم طمست ) أي محى نورها وذهب ضوؤها ، يقال طمس الشئ : إذا درس وذهب أثره ( وإذا السماء