الشوكاني
350
فتح القدير
ظلال الأشجار قريبة منهم مظلة عليهم زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس هنالك . قال مقاتل : يعنى شجرها قريب منهم . وقرأ ابن مسعود " ودانيا عليهم " ( وذللت قطوفها تذليلا ) معطوف على دانية كأنه قال : ومذللة . ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من الضمير في عليهم ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، والقطوف الثمار ، والمعنى : أنها سخرت ثمارها لمتناوليها تسخيرا كثيرا بحيث يتناولها القائم والقاعد والمضطجع لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك . قال النحاس : المذلل القريب المتناول ، ومنه قولهم حائط ذليل : أي قصير . قال ابن قتيبة : ذللت أدنيت ، من قولهم حائط ذليل : أي كان قصير السمك ، وقيل ذللت : أي جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا ( ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب ) أي تدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية الفضة ، والأكواب جمع كوب ، وهو الكوز العظيم الذي لا أذن له ولا عروة ، ومنه قول عدي : متكئ تقرع أبوابه * يسعى عليه العبد بالكوب وقد مضى تفسيره في سورة الزخرف ( كانت قواريرا قواريرا من فضة ) أي في وصف القوارير في الصفاء وفي بياض الفضة ، فصفاؤها صفاء الزجاج ، ولونها لون الفضة . قرأ نافع والكسائي وأبو بكر " قواريرا قواريرا " بالتنوين فيهما مع الوصل ، وبالوقف عليهما بالألف ، وقد تقدم وجه هذه القراءة في تفسير قوله " سلاسلا " من هذه السورة ، وبينا هنالك وجه صرف ما فيه صيغة منتهى الجموع فارجع إليه وقرأ حمزة بعدم التنوين فيهما وعدم الوقف بالألف ، ووجه هذه القراءة ظاهر لأنهما ممتنعان لصيغة منتهى الجموع . وقرأ هشام بعدم التنوين فيهما مع الوقف عليهما بالألف ، وقرأ ابن كثير بتنوين الأول دون الثاني والوقف على الأول بالألف دون الثاني . وقرأ أبو عمرو وحفص وابن ذكوان بعدم التنوين فيهما ، والوقف على الأول بالألف دون الثاني ، والجملة في محل جر صفة لأكواب . قال أبو البقاء : وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها . قال الواحدي : قال المفسرون : جعل الله قوارير أهل الجنة من فضة ، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير . قال الزجاج : القوارير التي في الدنيا من الرمل ، فأعلم الله فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة يرى من خارجها ما في داخلها ، وجملة ( قدروها تقديرا ) صفة لقوارير . قرأ الجمهور " قدروها " بفتح القاف على البناء للفاعل : أي قدرها السقاة من الخدم الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة من دون زيادة ولا نقصان . قال مجاهد وغيره : أتوا بها على قدر ريهم بغير زيادة ولا نقصان . قال الكلبي : وذلك ألذ وأشهى ، وقيل : قدرها الملائكة ، وقيل قدرها أهل الجنة الشاربون على مقدار شهواتهم وحاجتهم فجاءت كما يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص . وقرأ علي وابن عباس والسلمي والشعبي وزيد بن علي وعبيد بن عمير وأبو عمرو في رواية عنه " قدروها " بضم القاف وكسر الدال مبنيا للمفعول : أي جعلت لهم على قدر إرادتهم . قال أبو علي الفارسي : هو من باب القلب ، قال : لأن حقيقة المعنى أن يقال : قدرت عليهم لا قدروها ، لأنه في معنى قدروا عليها . وقال أبو حاتم : التقدير قدرت الأواني على قدر ريهم ، فمفعول ما لم يسم فاعله محذوف . قال أبو حيان : والأقرب في تخريج هذه القراءة الشاذة أن يقال : قدر ريهم منها تقديرا ، فحذف المضاف فصار قدروها . وقال المهدوي : إن القراءة الأخيرة يرجع معناها إلى معنى القراءة الأولى ، وكأن الأصل قدروا عليها فحذف حرف الجر كما أنشد سيبويه : آليت حب العراق الدهر آكله * والحب يأكله في القرية السوس أي آليت على حب العراق ( ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ) قد تقدم أن الكأس هو الإناء فيه الخمر ، وإذا كان خاليا عن الخمر فلا يقال له كأس ، والمعنى : أن أهل الجنة يسقون في الجنة كأسا من الخمر ،