الشوكاني

345

فتح القدير

الأخلاط ، والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما . يقال مشج هذا بهذا فهو ممشوج : أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط . قال المبرد : مشج يمشج إذا اختلط ، وهو هنا اختلاط النطفة بالدم . قال رؤبة بن العجاج : يطرحن كل معجل مشاج * لم يكس جلدا من دم أمشاج قال الفراء : أمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة ، ويقال مشج هذا : إذا خلط ، وقيل الأمشاج : الحمرة في البياض والبياض في الحمرة . قال القرطبي : وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة . قال الهذلي : كأن الريش والفوقين منه * حلاف النصل نيط به مشيج وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فيخلق منهما الولد . قال ابن السكيت : الأمشاج : الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة . وقيل الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار ، ويؤيد هذا وقوعه نعتا لنطفة ، وجملة ( نبتليه ) في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا : أي مريدين ابتلاءه ، ويجوز أن يكون حالا من الإنسان ، والمعنى : نبتليه بالخير والشر وبالتكاليف . قال الفراء : معناه والله أعلم ( جعلناه سميعا بصيرا ) نبتليه وهي مقدمة معناها التأخير ، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة ، وعلى هذا تكون هذه الحال مقدرة ، وقيل مقارنة . وقيل معنى الابتلاء : نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة ، والأول أولى . ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء فقال ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر كما في قوله - وهديناه النجدين - قال مجاهد : أي بينا السبيل إلى الشقاء والسعادة . وقال الضحاك والسدي وأبو صالح : السبيل هنا خروجه من الرحم ، وقيل منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله ، وانتصاب شاكرا وكفورا على الحال من مفعول هديناه : أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعا ، وقيل على الحال من سبيل على المجاز : أي عرفناه السبيل إما سبيلا شاكرا وإما سبيلا كفورا . وحكى مكي عن الكوفيين أن قوله إما هي إن شرطية زيدت بعدها ما : أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر . واختار هذا الفراء ، ولا يجبره البصريون لأن إن الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل ، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع شاكرا وكفورا . ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكرا وكفورا ، وتقديره : إن خلقناه شاكرا فشكور وإن خلقناه كافرا فكفور ، وهذا على قراءة الجمهور - إما شاكرا وإما كفورا - بكسر همزة إما . وقرأ أبو السماك وأبو العجاج بفتحها ، وهي على الفتح إما العاطفة في لغة بعض العرب ، أو هي التفصيلية وجوابها مقدر ، وقيل انتصب شاكرا وكفورا باضمار كان ، والتقدير : سواء كان شاكرا أو كان كفورا . ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال ( إنا اعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا ) قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر " سلاسلا " بالتنوين ، ووقف قنبل عن ابن كثير وحمزة بغير ألف ، والباقون وقفوا بالألف . ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كون فيه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو - إما شاكرا وإما كفورا - ، وما بعده وهو - أغلالا وسعيرا - منون ، أو على لغة من يصرف جميع مالا ينصرف كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب . قال الأخفش : سمعنا من العرب من يصرف كل مالا ينصرف ، لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصرف لعارض فيها . قال الفراء : هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم : هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه ، وأنشد ابن الأنباري في ذلك قول عمرو بن كلثوم : كأن سيوفنا فينا وفيهم * مخاريق بأيدي لاعبينا