الشوكاني
342
فتح القدير
والتكرير للتأكيد : أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مره . قال الواحدي : قال المفسرون : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد أبي جهل ، ثم قال ( أولى لك فأولى ) فقال أبو جهل : بأي شئ تهددني لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئا ، وإني لأعز أهل هذا الوادي ، فنزلت هذه الآية . وقيل معناه : الويل لك ، ومنه قول الخنساء : هممت بنفسي بعض الهموم * فأولى لنفسي أولى لها وعلى القول بأنه الويل ، قيل هو من المقلوب كأنه قيل : أويل لك ، ثم أخر الحرف المعتل . قيل ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات ، والويل لك حيا ، والويل لك ميتا ، والويل لك يوم البعث ، والويل لك يوم تدخل النار . وقيل المعنى : إن الذم لك أولى لك من تركه . وقيل المعنى : أنت أولى وأجدر بهذا العذاب قاله ثعلب . وقال الأصمعي : أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك . قال المبرد : كأنه يقول : قد وليت الهلاك وقد دانيته ، وأصله من الولي ، وهو القرب ، وأنشد الفراء : فأولى أن يكون لك الولاء - أي قارب أن يكون لك ، وأنشد أيضا : أولى لمن هاجت له أن يكمدا ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) أي هملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا يعاقب ، وقال السدي : معناه المهمل ، ومنه إبل سدي : أي ترعى بلا راع ، وقيل المعنى : أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبدا لا يبعث ، وجملة ( ألم يك نطفة من مني يمنى ) مستأنفة : أي ألم يك ذلك الإنسان قطرة من مني يراق في الرحم ، وسمي المني منيا لإراقته ، والنطفة : الماء القليل ، يقال نطف الماء : إذا قطر . قرأ الجمهور " ألم يك " بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإنسان . وقرأ الحسن بالفوقية على الالتفات إليه توبيخا له . وقرأ الجمهور أيضا " تمنى " بالفوقية على أن الضمير للنطفة . وقرأ حفص وابن محيصن ومجاهد ويعقوب بالتحتية على أن الضمير للمني ، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو ، واختارها أبو حاتم ( ثم كان علقة ) أي كان بعد النطفة علقة : أي دما ( فخلق ) أي فقدر بأن جعلها مضغة مخلقة ( فسوى ) أي فعد له وكمل نشأته ونفخ فيه الروح ( فجعل منه ) أي حصل من الإنسان ، وقيل من المنى ( الزوجين ) أي الصنفين من نوع الإنسان . ثم بين ذلك فقال ( الذكر والأنثى ) أي الرجل والمرأة ( أليس ذلك ) أي ليس ذلك الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه ( بقادر على أن يحيى الموتى ) أي يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا ، فإن الإعادة أهون من الابتداء ، وأيسر مؤنة منه . قرأ الجمهور " بقادر " وقرأ زيد بن علي " يقدر " فعلا مضارعا ، وقرأ الجمهور " يحيى " بنصبه بأن . وقرأ طلحة بن سليمان والفياض بن غزوان بسكونها تخفيفا ، أو على إجراء الوصل مجرى الوقف كما مر في مواضع . وقد أخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وقيل من راق ) قال : تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه ، قيل من يرقي بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ( والتفت الساق بالساق ) قال : التفت عليه الدنيا والآخرة وملائكة العذاب أيهم يرقى به . وأخرج عبد بن حميد عنه ( وقيل من راق ) قل من راق يرقى . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا ( والتفت الساق بالساق ) يقول : آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة ، فتلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضا ( يتمطى ) قال : يختال . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال : سألت ابن عباس عن قوله ( أولى لك فأولى ) أشئ قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي جهل من قبل نفسه ، أم أمره الله به ؟ قال : بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله الله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ( أن يترك سدى ) قال :