الشوكاني

337

فتح القدير

ونفسك فانع ولا تنعني * وداو الكلوم ولا تبرق أي لا تفزع من كثرة الكلوم التي بك . وقرأ نافع وأبان عن عاصم " برق " بفتح الراء : أي لمع بصره من شدة شخوصه للموت . قال مجاهد وغيره : هذا عند الموت ، وقيل برق يبرق شق عينيه وفتحهما . وقال أبو عبيدة : فتح الراء وكسرها لغتان بمعنى ( وخسف القمر ) قرأ الجمهور " خسف " بفتح الخاء والسين مبنيا للفاعل . وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى والأعرج وابن أبي عبلة وأبو حيوة بضم الخاء وكسر السين مبنيا للمفعول ، ومعنى خسف القمر : ذهب ضوؤه ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا ، ويقال خسف : إذا ذهب جميع ضوئه ، وكسف : إذا ذهب بعض ضوئه ( وجمع الشمس والقمر ) أي ذهب ضوؤهما جميعا ، ولم يقل جمعت لأن التأنيث مجازي . قاله المبرد . وقال أبو عبيدة : هو لتغليب المذكر على المؤنث . وقال الكسائي : حمل على معنى جمع النيران . وقال الزجاج والفراء : ولم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما في ذهاب نورهما ، وقيل جمع بينهما في طلوعهما من الغرب أسودين مكورين مظلمين . قال عطاء : يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى . وقيل تجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار . وقرأ ابن مسعود " وجمع بين الشمس والقمر " ( يقول الإنسان يومئذ أين المفر ) أي يقول عند وقوع هذه الأمور أين المفر : أي الفرار ، والمفر مصدر بمعنى الفرار . قال الفراء : يجوز أن يكون موضع الفرار ، ومنه قول الشاعر : أين المفر والكباش تنتطح * وكل كبش فر منها يفتضح قال الماوردي : يحتمل وجهين : أحدهما أين المفر من الله سبحانه استحياء منه . والثاني أين المفر من جهنم حذرا منها . قرأ الجمهور " أين المفر " بفتح الميم والفاء مصدرا كما تقدم . وقرأ ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة بفتح الميم وكسر الفاء على أنه اسم مكان : أي أين مكان الفرار . وقال الكسائي : هما لغتان مثل مدب ومدب ومصح ومصح ، وقرأ الزهري بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار ، ومنه قول امرئ القيس : مكر مفر مقبل مدبر معا * كجلمود صخر حطه السيل من عل أي جيد الفر والكر ( كلا لا وزر ) أي لا جبل ولا حصن ولا ملجأ من الله . وقال ابن جبير : لا محيص ولا منعة . والوزر في اللغة : ما يلجأ إليه الإنسان من حصن ، أو جبل أو غيرهما ، ومنه قول طرفة : ولقد تعلم بكر أننا * فاضلو الرأي وفي الروع وزر وقال آخر : لعمري ما للفتى من وزر * من الموت يدركه والكبر قال السدي : كانوا إذا فزعوا في الدنيا تحصنوا بالجبال ، فقال لهم الله : لا وزر يعصمكم مني يومئذ ، وكلا للردع ، أو لنفي ما قبلها ، أو بمعنى حقا ( إلى ربك يومئذ المستقر ) أي المرجع والمنتهى والمصير لا إلى غيره ، وقيل إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره ، وقيل المستقر : الاستقرار حيث يقره الله ( ينبؤ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ) أي يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر . وقال قتادة : بما عمل من طاعة ، وما أخر من طاعة فلم يعمل بها . وقال زيد بن أسلم : بما قدم من أمواله وما خلف للورثة . وقال مجاهد : بأول عمله وآخره . وقال الضحاك : بما قدم من فرض . وأخر من فرض . قال القشيري : هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال ، ويجوز أن يكون عند الموت . قال القرطبي : والأول أظهر ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) ارتفاع بصيرة على أنها خبر الإنسان ، على نفسه متعلق ببصيرة . قال الأخفش : جعله هو البصيرة كما تقول للرجل : أنت حجة على نفسك ،