الشوكاني

331

فتح القدير

وبما بعده ، وهذا هو الظاهر من معنى الآية ( والليل إذ أدبر ) أي ولى . قرأ الجمهور " إذا " بزيادة الألف ، دبر بزنة ضرب على أنه ظرف لما يستقبل من الزمان ، وقرأ نافع وحفص وحمزة إذ " بدون ألف ، أدبر بزنة أكرم ظرف لما مضى من الزمان ، ودبر وأدبر لغتان ، كما يقال أقبل الزمان وقبل الزمان ، يقال دبر الليل وأدبر : إذا تولى ذاهبا ( والصبح إذا أسفر ) أي أضاء وتبين ( إنها لإحدى الكبر ) هذا جواب القسم ، والضمير راجع إلى سقر : أي إن سقر لإحدى الدواهي أو البلايا الكبر ، والكبر جمع كبرى ، وقال مقاتل : إن الكبر اسم من أسماء النار ، وقيل إنها : أي تكذيبهم لمحمد لإحدى الكبر ، وقيل إن قيام الساعة لإحدى الكبر ، ومنه قول الشاعر : يا بن المعلى نزلت إحدى الكبر * داهية الدهر وصماء الغير قرأ الجمهور " لإحدى " بالهمزة ، وقرأ نصر بن عاصم وابن محيصن وابن كثير في رواية عنه " إنها لحدي " بدون همزة . وقال الكلبي : أراد بالكبر دركات جهنم وأبوابها ( نذيرا للبشر ) انتصاب نذيرا على الحال من الضمير في إنها ، قاله الزجاج . وروى عنه وعن الكسائي وأبي علي الفارسي أنه حال من قوله " قم فأنذر " أي قم يا محمد فأنذر حال كونك نذيرا للبشر . وقال الفراء : هو مصدر بمعنى الإنذار منصوب بفعل مقدر ، وقيل إنه منتصب على التمييز لإحدى لتضمنها معنى التنظيم كأنه قيل أعظم الكبر إنذارا . وقيل إنه مصدر منصوب بأنذر المذكور في أول السورة ، وقيل منصوب بإضمار أعني . وقيل منصوب بتقدير ادع ، وقيل منصوب بتقدير ناد أو بلغ ، وقيل إنه مفعول لأجله ، والتقدير : وإنها لإحدى الكبر لأجل إنذار البشر . قرأ الجمهور بالنصب ، وقرأ أبي بن كعب وابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هي نذير ، أو هو نذير . وقد اختلف في النذير ، فقال الحسن : هي النار ، وقيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وقال أبو رزين : المعنى أنا نذير لكم منها . وقيل القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) هو بدل من قوله للبشر : أي نذيرا لمن شاء منكم أن يتقدم إلى الطاعة أو يتأخر عنها ، والمعنى : أن الإنذار قد حصل لكل من آمن وكفر ، وقيل فاعل المشيئة هو الله سبحانه : أي لمن شاء الله أن يتقدم منكم بالإيمان أو يتأخر بالكفر ، والأول أولى . وقال السدى : لمن شاء منكم أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها أو يتأخر إلى الجنة . وقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : لما سمع أبو جهل ( عليها تسعة عشر ) . قال لقريش : ثكلتكم أمهاتكم ، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم ، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطش برجل من خزنة جهنم ؟ وأخرج ابن مردويه عنه في قوله ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) قال : قال أبو الأشد : خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤنتهم ، قال : وحدثت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصف خزان جهنم فقال " كأن أعينهم البرق ، وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم ، لهم مثل قوة الثقلين ، يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم ، على رقبته جبل حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم " . وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن أبي سعيد الخدري " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به قال : فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا ، فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف ، وتلا هذه الآية ( وما يعلم جنود ربك إلا هو ) " وأخرج أحمد عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أطت السماء وحق لها أن تنط . ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ساجد " . وأخرجه الترمذي وابن ماجة . قال الترمذي : حسن غريب ، ويروى عن