الشوكاني

328

فتح القدير

وقال الأخفش : المعنى أنها معطشة للبشر ، وأنشد : سقتني على لوح من الماء شربة * سقاها به الله الرهام الغواديا والمراد بالبشر إما جلدة الإنسان الظاهرة كما قاله الأكثر ، أو المراد به أهل النار من الإنس كما قال الأخفش ( عليها تسعة عشر ) قال المفسرون : يقول على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها ، وقيل تسعة عشر صنفا من أصناف الملائكة ، وقيل تسعة عشر صفا من صفوفهم ، وقيل تسعة عشر نقيبا مع كل نقيب جماعة من الملائكة ، والأول أولى . قال الثعلبي : ولا ينكر هذا ، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن أن يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق . قرأ الجمهور " تسعة عشر " بفتح الشين من عشر . وقرأ أبو جعفر ابن القعقاع وطلحة بن سليمان بإسكانها . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال : إن أول ما نزل من القرآن ( يا أيها المدثر ) فقال له يحيى بن أبي كثير : يقولون إن أول ما نزل - اقرأ باسم ربك الذي خلق - فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد الله عن ذلك ، قلت له مثل ما قلت ، فقال جابر : لا أحدثنك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت ، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فحثيت منه رعبا ، فرجعت فقلت دثروني فدثروني ، فنزلت ( يا أيها المدثر قم فأنذر ) إلى قوله ( والرجز فاهجر ) " وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أول سورة أنزلت ، والجمع ممكن . وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس ( يا أيها المدثر ) فقال : دثر هذا الأمر ، فقم به . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه ( يا أيها المدثر ) قال : النائم ( وثيابك فطهر ) قال : لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل ( والرجز فاهجر ) قال : الأصنام ( ولا تمنن تستكثر ) قال : لا تعط تلتمس بها أفضل منها . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عنه أيضا ( وثيابك فطهر ) قال : من الإثم . قال : وهي في كلام العرب نقي الثياب . وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ( وثيابك فطهر قال : من الغدر ، لا تكن غدارا . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وابن مردويه عن عكرمة عنه أيضا أنه سئل عن قوله ( وثيابك فطهر ) قال : لا تلبسها على غدرة ، ثم قال : ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة : وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدرة أتقنع * وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عنه أيضا ( ولا تمنن تستكثر ) قال : لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه أيضا ( فإذا نقر في الناقور ) قال : الصور ( يوم عسير ) قال : شديد . وأخرج ابن مردويه عنه أيضا ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) قال الوليد بن المغيرة . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عنه أيضا : أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل ، فأتاه فقال : يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله ، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا ، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له ، وأنك كاره له ، قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيدة