الشوكاني
326
فتح القدير
ولد ، هذا على أن وحيدا منتصب على الحال من الموصول أو من الضمير العائد إليه المحذوف ، ويجوز أن يكون حالا من الياء في ذرني : أي دعني وحدي معه ، فإني أكفيك في الانتقام منه ، والأول أولى . قال المفسرون : وهو الوليد بن المغيرة . قال مقاتل : يقول خل بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته ، وإنما خص بالذكر لمزيد كفره وعظيم جحوده لنعم الله عليه ، وقيل أراد بالوحيد الذي لا يعرف أبوه ، وكان يقال في الوليد بن المغيرة إنه دعى ( وجعلت له مالا مدودا ) أي كثيرا ، أو يمد بالزيادة والنماء شيئا بعد شئ . قال الزجاج : مالا غير منقطع عنه ، وقد كان الوليد بن المغيرة مشهورا بكثرة المال على اختلاف أنواعه ، قيل كان يحصل له من غلة أمواله ألف ألف دينار ، وقيل أربعة آلاف دينار ، وقيل ألف دينار ( وبنين شهودا ) أي وجعلت له بنين حضورا بمكة معه لا يسافرون ولا يحتاجون إلى التفرق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم . قال الضحاك : كانوا سبعة ولدوا بمكة ، وخمسة ولدوا بالطائف . وقال سعيد بن جبير : كانوا ثلاثة عشر ولدا . وقال مقاتل : كانوا سبعة كلهم رجال ، أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام والوليد بن الوليد ، فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك . وقيل معنى شهودا أنه إذا ذكر ذكروا معه ، وقيل كانوا يشهدون معه ما كان يشهده ويقومون بما كان يباشره ( ومهدت له تمهيدا ) أي بسطت له في العيش وطول العمر والرياسة في قريش ، والتمهيد عند العرب التوطئة ، ومنه مهد الصبي . وقال مجاهد : إنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش ( ثم يطمع أن أزيد ) أي يطمع بعد هذا كله في الزيادة لكثرة حرصه وشدة طعمه مع كفرانه للنعم وإشراكه بالله . قال الحسن : لم يطمع أن أدخله الجنة ، وكان يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي . ثم ردعه الله سبحانه وزجره فقال ( كلا ) أي لست أزيده . ثم علل ذلك بقوله ( إنه كان لآياتنا عنيدا ) أي معاندا لها وكافرا بما أنزلناه منها على رسولنا ، يقال عند يعند بالكسر إذا خالف الحق ورده ، وهو يعرفه فهو عنيد وعاند ، والعاند الذي يجوز عن الطريق ويعدل عن القصد ، ومنه قول الحارثي : إذا ركبت فاجعلاني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا قال أبو صالح : عنيدا معناه مباعدا . وقال قتادة : جاحدا . وقال مقاتل : معرضا ( سأرهقه صعودا ) أي سأكلفه مشقة من العذاب وهو مثل لما يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق ، وقيل المعنى : إنه يكلف أن يصعد جبلا من نار ، والإرهاق في كلام العرب : أن يحمل الإنسان الشئ الثقيل ، وجملة ( إنه فكر وقدر ) تعليل لما تقدم من الوعيد : أي إنه فكر في شأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما أنزل عليه من القرآن وقدر في نفسه : أي هيأ الكلام في نفسه ، والعرب تقول : هيأت الشئ إذا قدرته ، وقدرت الشئ إذا هيأته ، وذلك أنه لما سمع القرآن لم يزل يفكر ماذا يقول فيه وقدر في نفسه ما يقول ، فذمه الله وقال ( فقتل كيف قدر ) أي لعن وعذب كيف قدر : أي على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام : لأضربنه كيف صنع : أي على أي حال كانت منه ، وقيل المعنى : قهر وغلب كيف قدر ، ومنه قول الشاعر : وما ذرفت عيناك إلا لتضربي * بسهميك في أعشار قلب مقتل وقال الزهري : عذب ، وهو من باب الدعاء عليه ، والتكرير في قوله ( ثم قتل كيف قدر ) للمبالغة والتأكيد ( ثم نظر ) أي بأس بأي شئ يدفع القرآن ويقدح فيه ، أو فكر في القرآن وتدبر ما هو ( ثم عبس ) أي قطب وجهه لما لم يجد مطعنا يطعن به في القرآن ، والعبس مصدر عبس مخففا يعبس عبسا وعبوسا إذا قطب ، وقيل عبس