الشوكاني

315

فتح القدير

قوله ( يا أيها المزمل ) أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي ، والتزمل التلفف في الثوب . قرأ الجمهور " المزمل " بالإدغام . وقرأ أبي المتزمل على الأصل . وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي ، ومثل هذه القراءة قول امرئ القيس : كأن ثبيرا في أفانين وبله * كبير أناس في لحاد مزمل وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اختلف في معناه ، فقال جماعة : إنه كان يتزمل صلى الله عليه وآله وسلم بثيابه في أول ما جاءه جبريل بالوحي فرقا منه حتى أنس به ، وقيل المعنى : يا أيها المزمل بالنبوة والملتزم للرسالة . وبهذا قال عكرمة وكان يقرأ ( يا أيها المزمل ) بتخفيف الزاي وفتح الميم مشددة اسم مفعول وقيل المعنى : يا أيها المزمل بالقرآن . وقال الضحاك : تزمل بثيابه لمنامه ، وقيل بلغه من المشركين سوء قول ، فتزمل في ثيابه وتدثر ، فنزلت يا أيها المزمل ويا أيها المدثر . وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع صوت الملك ونظر إليه أخذته الرعدة ، فأتى أهله وقال : زملوني دثروني ، وكان خطابه صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي . ثم بعد ذلك خوطب بالنبوة والرسالة ( قم الليل إلا قليلا ) أي قم للصلاة في الليل . قرأ الجمهور " قم " بكسر الميم لالتقاء الساكنين . وقرأ أبو السماك بضمها اتباعا لضمة القاف . قال عثمان بن جنى : الغرض بهذه الحركة الهرب من التقاء الساكنين فبأي حركة تحرك فقد وقع الغرض . وانتصاب الليل على الظرفية . وقيل إن معنى قم صل ، عبر به عنه واستعير له . واختلف هل كان هذا القيام الذي أمر به فرضا عليه أو نفلا ؟ وسيأتي إن شاء الله ما روى في ذلك . وقوله إلا فليلا استثناء من الليل : أي صل الليل كله إلا يسيرا منه ، والقليل من الشئ هو ما دون النصف ، وقيل ما دون السدس ، وقيل ما دون العشر . وقال مقاتل والكلبي : المراد بالقليل هنا الثلث ، وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله ( نصفه ) الخ ، وانتصاب نصفه على أنه بدل من الليل . قال الزجاج : نصفه بدل من الليل ، وإلا قليلا استثناء من النصف ، والضمير في منه وعليه عائد إلى النصف . والمعنى : قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث ، أو زد عليه قليلا إلى الثلثين ، فكأنه قال : قم ثلثي الليل ، أو نصفه أو ثلثه . وقيل إن نصفه بدل من قوله قليلا ، فيكون المعنى : قم الليل إلا نصفه أو أقل من نصفه أو أكثر من نصفه ، قال الأخفش : نصفه أي أو نصفه كما يقال : أعطه درهما درهمين ثلاثة ، يريد أو درهمين أو ثلاثة .