الشوكاني
312
فتح القدير
الآن يجد له شهابا رصدا - فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته ، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم ، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية . وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة ، ولو سلم وقوع شئ مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث " إن في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر " فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا انقضاء لها ، وأما ما اجترأ به على الله وعلى كتابه من قوله في آخر كلامه . فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن ، فيقال له ما هذه بأول زلة من زلاتك ، وسقطة من سقطاتك ، وكم لها لديك من أشباه ونظائر نبض بها عرق فلسفتك ، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث تفسيرك ، يا عجبا لك أن يكون ما بلغك من خبر هذه المرأة ونحوه موجبا لتطرق الطعن إلى القرآن ، وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا : وإذا رامت الذبابة للشمس * غطاء مدت عليها جناحا وقلت من أبيات : مهب رياح سدة بجناح * وقابل بالمصباح ضوء صباح فإن قلت : إذن قد تقرر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه ، فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر به بعض أمته ؟ قلت : نعم ولا مانع من ذلك . وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة ، فمن ذلك ما صح أنه قام مقاما أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة ، وما ترك شيئا مما يتعلق بالفتن ونحوها ، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه وكذلك ما ثبت من أن حذيفة بن اليمان كان قد أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما يحدث من الفتن بعده " حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة ورجعوا إليه . وثبت في الصحيح وغيره " أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر ، فقال : إن بينك وبينها بابا ، فقال عمر : هل يفتح أو يكسر ؟ فقال : بل يكسر ، فعلم عمر أنه الباب ، وأن كسرة قتله " كما في الحديث الصحيح المعروف أنه قيل لحذيفة : هل كان عمر يعلم ذلك ؟ فقال : نعم كان يعلم أن دون غد الليلة . وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذر بما يحدث له ، وإخباره لعلي بن أبي طالب بخبر ذي الثدية ، ونحو هذا مما يكثر تعدده ولو جمع لجاء منه مصنف مستقل . وإذا تقرر هذا فلا مانع من أن يختص بعض صلحاء هذه الأمة بشئ من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله ، وأظهرها رسوله لبعض أمته ، وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم ، فتكون كرامات الصالحين من هذا القبيل ، والكل من الفيض الرباني بواسطة الجناب النبوي . ثم ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول فقال ( فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) والجملة تقرير للإظهار المستفاد من الاستثناء ، والمعنى : أنه يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب ، أو يجعل بين يدي الوحي وخلفه حرسا من الملائكة يحوطونه من أن تسترقه الشياطين ، فتلقيه إلى الكهنة ، والمراد من جميع الجوانب . قال الضحاك : ما بعث الله نبيا إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك ، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا هذا شيطان فاحذره ، وإن جاءه الملك قالوا هذا رسول ربك . قال ابن زيد : رصدا : أي حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أمامه وورائه من الجن والشياطين . قال قتادة وسعيد بن المسيب : هم أربعة من الملائكة حفظة . وقال الفراء : المراد جبريل . قال في الصحاح : الرصد القوم يرصدون