الشوكاني

31

فتح القدير

إلى غاية هي أن لا يكون حرب مع الكفار . قال مجاهد : المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام وبه قال الحسن والكلبي . قال الكسائي : حتى يسلم الخلق . قال الفراء : حتى يؤمنوا ويذهب الكفر . وقيل المعنى : حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم ، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة . وروى عن الحسن وعطاء أنهما قالا : في الآية تقديم وتأخير ، والمعنى : فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها ، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق . وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ، فقيل إنها منسوخة في أهل الأوثان وأنه لا يجوز أن يفادوا ولا يمن عليهم ، والناسخ لها قوله - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - وقوله - فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم - وقوله - وقاتلوا المشركين كافة - وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريح وكثير من الكوفيين : قالوا : والمائدة آخر ما نزل ، فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه من النساء والصبيان ومن تؤخذ منه الجزية ، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة . وقيل إن هذه الآية ناسخة لقوله - فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم - روى ذلك عن عطاء وغيره . وقال كثير من العلماء : إن الآية محكمة والإمام مخير بين القتل والأسر ، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء . وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيد وغيرهم . وهذا هو الراجح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك . وقال سعيد بن جبير : لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف لقوله - ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض - فإذا أسر بعد ذلك فللإمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ) محل ذلك الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي الأمر ذلك ، وقيل في محل نصب على المفعولية بتقدير فعل : أي افعلوا ذلك ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه ما تقدم : أي ذلك حكم الكفار ، ومعنى لو يشاء الله لانتصر منهم : أي قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب ( ولكن ) أمركم بحربهم ( ليبلو بعضكم ببعض ) أي ليختبر بعضكم ببعض فيعلم المجاهدين في سبيله والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم ويعذب الكفار بأيديهم ( والذين قتلوا في سبيل الله ) قرأ الجمهور قاتلوا مبنيا للفاعل ، وقرأ أبو عمرو وحفص " قتلوا " مبنيا للمفعول ، وقرأ الحسن بالتشديد مبنيا للمفعول أيضا . وقرأ الجحدري وعيسى بن عمر وأبو حيوة " قتلوا " على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف ، والمعنى على القراءة الأولى والرابعة : أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع ، وعلى القراءة الثانية والثالثة : أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم . قال قتادة : ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد . ثم ذكر سبحانه ما لهم عنده من جزيل الثواب فقال ( سيهديهم ) أي سيهديهم الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا ويعطيهم الثواب في الآخرة ( ويصلح بالهم ) أي حالهم وشأنهم وأمرهم . قال أبو العالية : قد ترد الهداية ، والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطريق المفضية إليها ، وقال ابن زياد : يهديهم إلى محاجة منكر ونكير ( ويدخلهم الجنة عرفها لهم ) أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال ، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم . قال الواحدي : هذا قول عامة المفسرين . وقال الحسن : وصف الله لهم الجنة في الدنيا ، فلما دخلوها عرفوها بصفتها . وقيل فيه حذف : أي عرفوا طرقها ومساكنها وبيوتها . وقيل هذا التعريف بدليل يدلهم عليها ، وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه حتى يدخله منزله ، كذا قال مقاتل . وقيل معنى عرفها لهم طيبها بأنواع الملاذ ، مأخوذ من العرف ، وهو الرائحة . ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله ( يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ) أي إن تنصروا دين الله ينصركم على الكفار ويفتح لكم ، ومثله قوله - ولينصرن الله من ينصره - . قال قطرب : إن تنصروا نبي الله ينصركم ( ويثبت أقدامكم ) أي عند القتال وتثبت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب ، وقيل على الإسلام ، وقيل على الصراط ( والذين كفروا فتعسا لهم ) الموصول في محل رفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف