الشوكاني

297

فتح القدير

الطوفان ، وجملة ( قال يا قوم إني لكم نذير مبين ) مستأنفة استئنافا بيانيا على تقدير سؤال ، كأنه قيل : فماذا قال نوح ؟ فقال : قال لهم الخ . والمعنى : إني لكم منذر من عقاب الله ومخوف لكم ومبين لما فيه نجاتكم ( أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ) أن هي التفسيرية لنذير ، أو هي المصدرية : أي بأن اعبدوا الله ولا تشركوا به غيره واتقوه : أي اجتنبوا ما يوقعكم في عذابه وأطيعون فيما آمركم به فإني رسول إليكم من عند الله ( يغفر لكم من ذنوبكم ) هذا جواب الأمر ، ومن للتبعيض : أي بعض ذنوبكم ، وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته . وقال السدى : المعنى يغفر لكم ذنوبكم ، فتكون من على هذا زائدة ، وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد ، وقيل هي لبيان الجنس ، وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى الذي قدره الله لكم بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم ، على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان ، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم أن آمنوا وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا . قال مقاتل : يؤخركم إلى منتهى آجالكم . وقال الزجاج : أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب . وقال الفراء : المعنى لا يميتكم غرقا ولا حرقا ولا قتلا ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب إذا جاء وأنتم باقون على الكفر لا يؤخر بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة . وقيل المعنى : إن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان ، وقيل المعنى : إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب ( لو كنتم تعلمون ) أي شيئا من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ، أو لعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) أي قال نوح مناديا لربه وحاكيا له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه ، إني دعوت قومي إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان دعاء دائما في الليل والنهار من غير تقصير ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا عما ) دعوتهم إليه وبعدا عنه . قال مقاتل : يعنى تباعدا من الإيمان ، وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه سببها ، كما في قوله - زادتهم إيمانا - قرأ الجمهور " دعائي " بفتح الياء ، وقرأ الكوفيون ويعقوب والدوري عن أبي عمرو بإسكانها ، والاستثناء مفرغ ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ) أي كلما دعوتهم إلى سبب المغفرة ، وهو الإيمان بك ، والطاعة لك ( جعلوا أصابعهم في آذانهم ) لئلا يسمعوا صوتي ( واستغشوا ثيابهم ) أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني ، وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي ، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الآذان ، وقيل هو كناية عن العداوة ، يقال لبس فلان ثياب العداوة ، وقيل استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم ( وأصروا ) أي استمروا على الكفر ، ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه ( واستكبروا ) عن قبول الحق ، وعن امتثال ما أمرهم به ( استكبارا ) شديدا ( ثم إني دعوتهم جهارا ) أي مظهرا لهم الدعوة مجاهرا لهم بها ( ثم إني أعلنت لهم ) أي دعوتهم معلنا لهم بالدعاء ( وأسررت لهم إسرارا ) أي وأسررت لهم الدعوة إسرارا كثيرا ، قيل المعنى : أن يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سرا فيما بينه وبينه ، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة ، فلم ينجع ذلك فيهم . قال مجاهد : معنى أعلنت صحت ، وقيل معنى أسررت : أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها . وانتصاب جهارا على المصدرية ، لأن الدعاء يكون جهارا ويكون غير جهار ، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم : قعد القرفصاء ، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف : أي دعاء جهارا ، وأن يكون مصدرا في موضع الحال : أي مجاهرا ، ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد الأحوال ، لأن الجهار أغلظ من الإسرار ، والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما . قرأ الجمهور " إني " بسكون الياء ، وقرأ أبو عمرو والحرميون بفتحها ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السابقة بإخلاص النية