الشوكاني

293

فتح القدير

المراد الزكاة المفروضة . وقال مجاهد : سوى الزكاة ، وقيل صلة الرحم ، والظاهر أنه الزكاة لوصفه بكونه معلوما ولجعله قرينا للصلاة ، وقد تقدم تفسير السائل والمحروم في سورة الذاريات مستوفى ( والذين يصدقون بيوم الدين ) أي بيوم الجزاء ، وهو يوم القيامة لا يشكون فيه ولا يجحدونه ، وقيل يصدقونه بأعمالهم فيتعبون أنفسهم في الطاعات ( والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ) أي خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقارا لأعمالهم ، واعترافا بما يجب لله سبحانه عليهم . وجملة ( إن عذاب ربهم غير مأمون ) مقررة لمضمون ما قبلها مبينة أن ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد ، وأن حق كل أحد أن يخافه ( والذين هم لفروجهم حافظون ) إلى قوله ( فأولئك هم العادون ) قد تقدم تفسيره في سورة المؤمنين مستوفى ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) أي لا يخلون بشئ من الأمانات التي يؤتمنون عليها ولا ينقضون شيئا من العهود التي يعقدونها على أنفسهم . قرأ الجمهور " لأماناتهم " بالجمع وقرأ ابن كثير وابن محيصن " لأمانتهم " بالإفراد ، والمراد الجنس ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) أي يقيمونها على من كانت عليه من قريب أو بعيد أو رفيع أو وضيع ، ولا يكتمونها ولا يغيرونها ، وقد تقدم القول في الشهادة في سورة البقرة ، قرأ الجمهور " بشهادتهم " بالإفراد ، وقرأ حفص ويعقوب وهي رواية عن ابن كثير بالجمع . قال الواحدي ، والإفراد أولى لأنه مصدر ، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات قال الفراء : ويدل على قراءة التوحيد قوله تعالى - وأقيموا الشهادة لله - ( والذين هم على صلاتهم يحافظون ) أي على أذكارها وأركانها وشرائطها لا يخلون بشئ من ذلك . قال قتادة : على وضوئها وركوعها وسجودها . وقال ابن جريج : المراد التطوع ، وكرر ذكر الصلاة لاختلاف ما وصفهم به أولا ، وما وصفهم به ثانيا ، فإن معنى الدوام : هو أن لا يشتغل عنها بشئ من الشواغل كما سلف ، ومعنى المحافظة : أن يراعى الأمور التي لا تكون صلاة بدونها ، وقيل المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها ، وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته يستحق أن يستقل بموصوف منفرد ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى الموصوفين بتلك الصفات ( في جنات مكرمون ) أي مستقرون فيها مكرمون بأنواع الكرامات ، وخبر المبتدأ قوله ( في جنات ) وقوله ( مكرمون ) خبر آخر ، ويجوز أن يكون الخبر مكرمون ، وفي جنات متعلق به ( فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ) أي أي شئ لهم حواليك مسرعين : قال الأخفش : مهطعين مسرعين ، ومنه قول الشاعر : بمكة أهلها ولقد أراهم * إليهم مهطعين إلى السماع وقيل المعنى : ما بالهم يسرعون إليك يجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم ، وقيل ما بالهم مسرعين إلى التكذيب ، وقيل ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع إليك فيكذبونك ويستهزئون بك . وقال الكلبي : إن معنى : مهطعين ناظرين إليك . وقال قتادة : عامدين ، وقيل مسرعين إليك مادي أعناقهم مديمي النظر إليك ( عن اليمين وعن الشمال عزين ) أي عن يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن شماله جماعات متفرقة ، وعزين جمع عزة ، وهي العصبة من الناس ، ومنه قول الشاعر : ترانا عنده والليل داج * على أبوابه حلقا عزينا وقال الراعي : أخليفة الرحمن إن عشيرتي * أمسى سراتهم إليك عزينا وقال عنترة : وقرن قد تركت لدى ولى * عليه الطير كالعصب العزينا وقيل أصلها عزوة من العزو ، كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى . قال في الصحاح :