الشوكاني

289

فتح القدير

خمسون ألف سنة ، وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر ، وقيل ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها ، أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره كما تصف العرب أيام الشدة بالطول وأيام الفرح بالقصر ، ويشبهون اليوم القصير بابهام القطاة ، والطويل بظل الرمح ، ومنه قول الشاعر : ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطفاف المزاهر وقيل في الكلام تقديم وتأخير : أي ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه ، وقد قدمنا الجمع بين هذه الآية وبين قوله في سورة السجدة - في يوم كان مقداره ألف سنة - فارجع إليه . وقد قيل في الجمع إن من أسفل العالم إلى العرش خمسين ألف سنة ، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة ، لأن غلظ كل سماء خمسمائة عام ، وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة عام ، فالمعنى : أن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلى العرش كان مسافة ذلك خمسين ألف سنة ، وإن عرجوا من هذه الأرض التي نحن فيها إلى باطن هذه السماء التي هي سماء الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة ، وسيأتي في آخر البحث ما يؤيد هذا عن ابن عباس . ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر فقال ( فاصبر صبرا جميلا ) أي اصبر يا محمد على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به صبرا جميلا لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله ، وهذا معنى الصبر الجميل ، وقيل هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري بأنه مصاب . قال ابن زيد وغيره : هي منسوخة بآية السيف ( إنهم يرونه بعيدا ) أي يرون العذاب الواقع بهم ، أو يرون يوم القيامة بعيدا : أي غير كائن لأنهم لا يؤمنون به ، فمعنى " بعيدا " أي مستبعدا محالا ، وليس المراد أنهم يرونه بعيدا غير قريب . قال الأعمش : يرون البعث بعيدا لأنهم لا يؤمنون به كأنهم يستبعدونه على جهة الاستحالة كما تقول لمن تناظره هذا بعيد : أي لا يكون ( ونراه قريبا ) أي نعلمه كائنا قريبا ، لأن ما هو آت قريب . وقيل المعنى : ونراه هينا في قدرتنا غير متعسر ولا متعذر ، والجملة تعليل للأمر بالصبر . ثم أخبر سبحانه متى يقع بهم العذاب فقال ( يوم تكون السماء كالمهل ) والظرف متعلق بمضمر دل عليه واقع ، أو بدل من قوله ( في يوم ) على تقدير تعلقه بواقع ، أو متعلق بقريبا ، أو مقدر بعده : أي يوم تكون الخ كان كيت وكيت ، أو بدل من الضمير في نراه والأول أولى . والتقدير يقع بهم العذاب ( يوم تكون السماء كالمهل ) والمهل : ما أذيب من النحاس والرصاص والفضة ، وقال مجاهد : هو القيح من الصديد والدم . وقال عكرمة وغيره : هو دردي الزيت ، وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف والدخان ( وتكون الجبال كالعهن ) أي كالصوف المصبوغ ، ولا يقال للصوف عهن إلا إذا كان مصبوغا . قال الحسن : تكون الجبال كالعهن ، وهو الصوف الأحمر ، وهو أضعف الصوف ، وقيل العهن الصوف ذو الألوان ، فشبه الجبال به في تكونها ألوانا كما في قوله - جدد بيض وحمر - وغرابيب سود - فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح ( ولا يسأل حميم حميما ) أي لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه ، والخليل عن خليله ، كما قال سبحانه - لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه - وقيل المعنى : لا يسأل حميم عن حميم ، فحذف الحرف ووصل الفعل . قرأ الجمهور " لا يسأل " مبنيا للفاعل ، قيل والمفعول الثاني محذوف والتقدير : لا يسأله نصره ولا شفاعته ، وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وشيبة وابن كثير في رواية عنه على البناء للمفعول . وروى هذه القراءة البزي عن عاصم . والمعنى : لا يسأل حميم إحضار حميمه ، وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف الجر : أي لا يسأل حميم عن حميم ، بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله ، وجملة ( يبصرونهم ) مستأنفة ، أو صفة لقوله ( حميما ) أي يبصر كل حميم