الشوكاني

280

فتح القدير

السموم ، والعاتية التي عنت عن الطاعة فكأنها عتت على خزانها ، فلم تطعهم ولم يقدروا على ردها لشدة هبوبها ، أوعتت على عاد فلم يقدروا على ردها ، بل أهلكتهم ( سخرها عليهم سبع ليال ) هذه الجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم ، ومعنى سخرها سلطها ، كذا قال مقاتل ، وقيل أرسلها ، وقال الزجاج : أقامها عليهم كما شاء ، والتسخير : استعمال الشئ بالاقتدار ، ويجوز أن تكون هذه الجملة صفة لريح ، وأن تكون حالا منها لتخصيصها بالصفة ، أو من الضمير في عاتية ( وثمانية أيام ) معطوف على سبع ليال ، وانتصاب ( حسوما ) على الحال : أي ذات حسوم ، أو على المصدر بفعل مقدر : أي تحسمهم حسوما ، أو على أنه مفعول به ، والحسوم التتابع ، فإذا تتابع الشئ ولم ينقطع أوله عن آخره قيل له الحسوم . قال الزجاج : الذي توجبه اللغة في معنى قوله حسوما : أي تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم . قال النضر بن شميل : حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم . وقال الفراء : الحسوم الاتباع ، من حسم الداء وهو الكي ، لأن صاحبه يكوى بالمكواة ، ثم يتابع ذلك عليه ومنه قول أبي دؤاد : يفرق بينهم زمن طويل * تتابع فيه أعواما حسوما وقال المبرد : هو من قولك حسمت الشئ : إذا قطعته وفصلته عن غيره ، وقيل الحسم الاستئصال ، ويقال للسيف حسام لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته ، والمعنى : أنها حسمتهم : أي قطعتهم وأذهبتهم ، ومنه قول الشاعر : فأرسلت ريحا دبورا عقيما * فدارت عليهم فكانت حسوما قال ابن زيد : أي حسمتهم فلم تبق منهم أحدا . وروى عنه أنه قال : حسمت الأيام والليالي حتى استوفتها ، لأنها بدأت بطلوع الشمس من أول يوم وانقطعت بغروب الشمس من آخر يوم . وقال الليث : الحسوم هي الشؤم : أي تحسم الخير عن أهلها ، كقوله - في أيام نحسات - . واختلف في أولها ، فقيل غداة الأحد ، وقيل غداة الجمعة ، وقيل غداة الأربعاء . قال وهب : وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز ، كان فيها برد شديد وريح شديدة ، وكان أولها يوم الأربعاء ، وآخرها يوم الأربعاء ( فترى القوم فيها صرعى ) الخطاب لكل من يصلح له على تقدير أنه لو كان حاضرا حينئذ لرأى ذلك ، والضمير في فيها يعود إلى الليالي والأيام ، وقيل إلى مهاب الريح ، والأول أولى . وصرعى جمع صريع : يعني موتى ( كأنهم أعجاز نخل خاوية ) أي أصول نخل ساقطة ، أو بالية ، وقيل خالية لا جوف فيها ، والنخل يذكر ويؤنث ، ومثله قوله - كأنهم أعجاز نخل منقعر - وقد تقدم تفسيره وهو إخبار عن عظم أجسامهم . قال يحيى بن سلام : إنما قال خاوية لأن أبدانهم خلت من أرواحهم مثل النخل الخاوية ( فهل ترى لهم من باقية ) أي من فرقة باقية ، أو من نفس باقية ، أو من بقية على أن باقية مصدر كالعاقبة والعافية . قال ابن جريج : أقاموا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الريح فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر ( وجاء فرعون ومن قبله ) أي من الأمم الكافرة . قرأ الجمهور قبله بفتح القاف وسكون الباء : أي ومن تقدمه من القرون الماضية والأمم الخالية وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر القاف وفتح الباء : أي ومن هو في جهته من أتباعه ، واختار أبو حاتم وأبو عبيد القراءة الثانية لقراءة ابن مسعود وأبي ومن معه ، ولقراءة أبي موسى ومن يلقاه ( والمؤتفكات ) قرأ الجمهور " المؤتفكات " بالجمع وهي قرى قوم لوط ، وقرأ الحسن والجحدري " المؤتفكة " بالإفراد ، واللام للجنس ، فهي في معنى الجمع ، والمعنى : وجاءت المؤتفكات ( بالخاطئة ) أي بالفعلة الخاطئة ) ، أو الخطأ على أنها مصدر . والمراد أنها جاءت بالشرك والمعاصي . قال مجاهد : بالخطايا ، وقال الجرجاني : بالخطأ العظيم