الشوكاني
277
فتح القدير
وقيل إن المكظوم : المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس . قاله المبرد ، وقيل هو المحبوس ، والأول أولى ، ومنه قول ذي الرمة : وأنت من حب مى مضمر حزنا * عانى الفؤاد قريح القلب مكظوم ( لولا أن تداركه نعمة من ربه ) أي لولا أن تدارك صاحب الحوت نعمة من الله وهي توفيقه للتوبة فتاب الله عليه ( لنبذ بالعراء ) أي لألقى من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات ( وهو مذموم ) أي يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من الرحمة ، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير نبذ . قال الضحاك : النعمة هنا النبوة . وقال سعيد بن جبير : عبادته التي سلفت . وقال ابن زيد ، هي نداؤه بقوله - لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين - وقيل مذموم مبعد . وقيل مذنب . قرأ الجمهور " تداركه " على صيغة الماضي ، وقرأ الحسن وابن هرمز والأعمش بتشديد الدال ، والأصل تتداركه بتاءين مضارعا فأدغم ، وتكون هذه القراءة على حكاية الحال الماضية ، وقرأ أبي وابن مسعود وابن عباس " تداركته " بتاء التأنيث ( فاجتباه ربه ) أي استخلصه واصطفاه واختاره للنبوة ( فجعله من الصالحين ) أي الكاملين في الصلاح وعصمه من الذنب ، وقيل رد إليه النبوة وشفعه في نفسه وفي قومه وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون كما تقدم ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) إن هي المخففة من الثقيلة . قرأ الجمهور " ليزلقونك " بضم الياء من أزلقه : أي أزل رجله ، يقال أزلقه عن موضعه إذا نحاه ، وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه : إذا تنحى . قال الهروي : أي فيغتالونك بعيونهم فيزلقونك عن مقامك الذي أقامك الله فيه عداوة لك ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود والأعمش ومجاهد وأبو وائل " ليرهقونك " أي يهلكونك . وقال الكلبي " يزلقونك " أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة ، وكذا قال السدى وسعيد بن جبير . وقال النضر بن شميل والأخفش : يفتنونك . وقال الحسن وابن كيسان : ليقتلونك . قال الزجاج في الآية مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون ينظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك ، وهذا مستعمل في الكلام ، يقول القائل نظر إلى نظرا يكاد يصرعني ، ونظرا يكاد يأكلني . قال ابن قتيبة : ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه ، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك ، كما قال الشاعر : يتعارضون إذا التقوا في مجلس * نظرا يزيل مواطئ الأقدام ( لما سمعوا الذكر ) أي وقت سماعهم للقرآن لكراهتهم لذلك أشد كراهة ، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك ، وقيل هي حرف ، وجوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك ( ويقولون إنه مجنون ) أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن ، فرد الله عليهم بقوله ( وما هو إلا ذكر للعالمين ) والجملة مستأنفة ، أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون : أي والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه ، أو شرف لهم كما قال سبحانه - وإنه لذكر لك ولقومك - وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنه مذكر للعالمين أو شرف لهم . وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما ، وله ألفاظ في بغضها طول ، وهو