الشوكاني

271

فتح القدير

سورة ن ( 17 - 33 ) قوله ( إنا بلوناهم ) يعني كفار مكة ، فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم ، والابتلاء الاختبار ، والمعنى : أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا ، فلما بطروا ابتليناهم بالجوع والقحط ( كما بلونا أصحاب الجنة ) المعروف خبرهم عندهم ، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق الله منها ، فمات وصارت إلى أولاده ، فمنعوا الناس خيرها ، وبخلوا بحق الله فيها . قال الواحدي : هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شئ حظا للمساكين عند الحصاد والصرام ، فقالت بنوه : المال قليل ، والعيال كثير ، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا ، وعزموا على حرمان المساكين ، فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه . قال الكلبي : كان بينهم وبين صنعاء فرسخان بتلاهم الله بأن حرق جنتهم . وقيل هي جنة كانت بصوران ، وصوران على فراسخ من صنعاء ، وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بيسير ( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) أي حلفوا ليقطعنها داخلين في وقت الصباح ، والصرم القطع للثمر والزرع ، وانتصاب " مصبحين " على الحال من فاعل ليصرمنها ، والكاف في " كما بلونا " نعت مصدر محذوف : أي بلوناهم ابتلاء كما بلونا ، وما مصدرية ، أو بمعنى الذي ، وإذ ظرف لبلونا منتصب به ، وليصرمنها جواب القسم ( ولا يستثنون ) يعنى ولا يقولون إن شاء الله ، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم ، أو حال . وقيل المعنى : ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم ، قاله عكرمة ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ) أي طاف على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه ، والطائف قيل هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء ، كذا قال مقاتل : وقيل الطائف جبريل اقتلعها ، وجملة ( وهم نائمون ) في محل نصب على الحال ( فأصبحت كالصريم ) أي كالشئ الذي صرمت ثماره : أي قطعت ، فعيل بمعنى مفعول . وقال الفراء : كالصريم كالليل المظلم ، ومنه قول الشاعر : تطاول ليلك الجون الصريم * فما ينجاب عن صبح بهيم والمعنى : أنها حرقت فصارت كالليل الأسود قال : والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة . وقال الأخفش :