الشوكاني

267

فتح القدير

سورة ن ( 12 - 16 ) قوله ( ن ) قرأ أبو بكر وورش وابن عامر والكسائي وابن محيصن وابن هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو ، وقرأ الباقون بالإظهار ، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل . وقرأ ابن عامر ونضر وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم ، أو لأجل التقاء الساكنين ، وقرأ محمد بن السميفع وهارون بضمها على البناء . قال مجاهد ومقاتل والسدي : هو الحوت الذي يحمل الأرض وبه قال مرة الهمذاني وعطاء الخراساني والكلبي . وقيل إن نون آخر حرف من حروف الرحمن . وقال ابن زيد : هو قسم أقسم الله به . وقال ابن كيسان : هو فاتحة السورة . وقال عطاء وأبو العالية : هي النون من نصر وناصر . قال محمد بن كعب : أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين ، وقيل هو حرف من حروف الهجاء ، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفنتحة بذلك ، وقد عرفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أول سورة البقرة ، والواو في قوله ( والقلم ) واو القسم ، أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان وهو واقع على كل قلم يكتب به ، وقال جماعة من المفسرين : المراد به القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ ، أقسم الله به تعظيما له . قال قتادة : القلم من نعمة الله على عباده ( وما يسطرون ) ما موصولة : أي والذي يسطرون ، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره ، لأن ذكر آلة الكتابة تدل على الكاتب . والمعنى : والذي يسطرون : أي يكتبون كل ما يكتب ، أو الحفظة على ما تقدم . ويجوز أن تكون ما مصدرية : أي وسطرهم ، وقيل الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء ، وجواب القسم قوله ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) ما نافية ، وأنت اسمها ، وبمجنون خبرها . قال الزجاج : أنت هو اسم ما ، وبمجنون خبرها ، وقوله ( بنعمة ربك ) كلام وقع في الوسط : أي انتفى عنك الجنون بنعمة ربك ، كما يقال أنت بحمد الله عاقل ، قيل الباء متعلقة بمضمر هو حال ، كأنه قيل أنت برئ من الجنون ملتبسا بنعمة الله التي هي النبوة والرياسة العامة . وقيل الباء للقسم : أي وما أنت ونعمة ربك بمجنون . وقيل النعمة هنا الرحمة ، والآية رد على الكفار حيث قالوا - يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون - ( وإن لك لأجرا أي ثوابا على ما تحملت من أثقال النبوة ، وقاسيت من أنواع الشدائد ( غير ممنون ) أي غير مقطوع ، يقال مننت الحبل إذا قطعته . وقال مجاهد : غير ممنون غير محسوب ، وقال الحسن : غير ممنون غير مكدر بالمن . وقال الضحاك : أجرا بغير عمل ، وقيل غير مقدر ، وقيل غير ممنون به عليك من جهة الناس ( وإنك لعلى خلق عظيم ) قيل هو الإسلام والدين ، حكى هذا الواحدي على الأكثرين . وقيل هو القرآن ، روى هذا عن الحسن والعوفي . وقال قتادة : هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهى عنه من نهى الله . قال الزجاج : المعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن ، وقيل هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم ، وقيل المعنى : إنك على طبع كريم . قال الماوردي : وهذا هو الظاهر ، وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب . وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنها سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت : كان خلقه القرآن ، وهذه الجملة والتي قبلها معطوفتان على جملة جواب القسم ( فستبصر ويبصرون ) أي ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء وذلك يوم القيامة ( بأيكم المقتون ) الباء زائدة للتأكيد : أي أيكم المفتون بالجنون ، كذا قال الأخفش وأبو عبيدة وغيرهما ، ومثله قول الشاعر :