الشوكاني

262

فتح القدير

قوله ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب ) لما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل النار ذكر أهل الجنة ، وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول : أي غائبين عنه ، أو غائبا عنهم ، والمعنى : أنهم يخشون عذابه ولم يروه فيؤمنون به خوفا من عذابه ، ويجوز أن يكون المعنى : يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس وذلك في خلواتهم ، أو أو المراد بالغيب كون العذاب غائبا عنهم لأنهم في الدنيا ، وهو إنما يكون يوم القيامة فتكون الباء على هذا سببية ( لهم مغفرة ) عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم ( وأجر كبير ) وهو الجنة ، ومثل هذه الآية قوله - من خشي الرحمن بالغيب - . ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال ( وأسروا قولكم أو اجهروا به ) هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه ، والمعنى : إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكل ذلك يعلمه الله لا يخفى عليه منه خافية ، وجملة ( إنه عليم بذات الصدور ) تعليل للاستواء المذكور ، وذات الصدور هي مضمرات القلوب ، والاستفهام في قوله ( ألا يعلم من خلق ) للإنكار : ، والمعنى : ألا يعلم السر ومضمرات القلوب من خلق ذلك وأوجده ، فالموصول عبارة عن الخالق ، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق ، وفي يعلم ضمير يعود إلى الله : أي ألا يعلم الله المخلوق الذي هو من جملة خلقه ، فإن الإسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه ، وجملة ( وهو اللطيف الخبير ) في محل نصب على الحال من فاعل يعلم : أي الذي لطف علمه بما في القلوب ، الخبير بما تسره وتضمره من الأمور ، لا تخفى عليه من ذلك خافية . ثم أمتن سبحانه على عباده فقال ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا ) أي سهلة لينة تستقرون عليها و ، لم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون فيها والمشي عليها ، والذلول في الأصل : هو المنقاد الذي يذل لك ولا يستصعب عليك " والمصدر الذل ، والفاء في قوله ( فامشوا في مناكبها ) لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور ، والأمر للإباحة . قال مجاهد : والكلبي ومقاتل : مناكبها طرقها وأطرافها وجوانبها . وقال قتادة وشهر بن حوشب : مناكبها جبالها ، وأصل المنكب الجانب ، ومنه منكب الرجل . ومنه الريح النكباء ، لأنها تأتي من جانب دون جانب ( وكلوا من رزقه ) أي مما رزقكم وخلقه لكم في الأرض ( وإليه النشور ) أي وإليه البعث من قبوركم ، لا إلى غيره ، وفي هذا وعيد شديد . ثم خوف سبحانه الكفار . فقال ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) قال الواحدي : قال المفسرون : يعني عقوبة من في السماء ، وقيل من في السماء : قدرته وسلطانه وعرشه وملائكته ، وقيل من في السماء من الملائكة ، وقيل المراد جبريل ، ومعنى ( أن يخسف بكم الأرض ) يقلعها ملتبسة بكم كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولا تمشون في مناكبها ، وقوله ( أن يخسف ) بدل اشتمال من الموصول : أي أأمنتم خسفه ، أو على حذف من : أي من أن يخسف ( فإذا هي تمور ) أي تضطرب وتتحرك على خلاف ما كانت عليه من السكون . قرأ الجمهور " أأمنتم " بهمزتين ، وقرأ البصريون والكوفيون بالتخفيف ، وقرأ ابن كثير بقلب الأولى واوا . ثم كرر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر فقال ( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) أي حجارة من السماء كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل ، وقيل سحاب فيها حجارة ،