الشوكاني

260

فتح القدير

نظرت إليها بالمحصب من منى * فعاد إلى الطرف وهو حسير ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ) بين سبحانه بعد خلق السماوات وخلوها من العيب والخلل أنه زينها بهذه الزينة ، فصارت في أحسن خلق وأكمل صورة وأبهج شكل ، والمجئ بالقسم لإبراز كمال العناية ، والمصابيح جمع مصباح وهو السراج ، وسميت الكواكب مصابيح لأنها تضئ كإضاءة السراج وبعض الكواكب وإن كان في غير سماء الدنيا من السماوات التي فوقها ، فهي تتراءى كأنها كلها في سماء الدنيا لأن أجرام السماوات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراما صقيلة شفافة ( وجعلناها رجوما للشياطين ) أي وجعلنا المصابيح رجوما يرجم بها الشياطين ، وهذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى وهي كونها زينة للسماء الدنيا ، والمعنى أنها يرجم بها الشياطين الذين يسترقون السمع ، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به كما في قولهم : الدرهم ضرب الأمير : أي مضروبه ، ويجوز أن يكون باقيا على مصدريته ويقدر مضاف محذوف : أي ذات رجم ، وجمع المصدر باعتبار أنواعه . وقيل إن الضمير في قوله ( وجعلناها ) راجع إلى المصابيح على حذف مضاف : أي شهبها ، وهي نارها المقتبسة منها ، لا هي أنفسها لقوله - إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب - ووجه هذا أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا تزول ولا يرجم بها ، كذا قال أبو علي الفارسي جوابا لمن سأله : كيف تكون المصابيح زينة وهي رجوم ؟ قال القشيري : وأمثل من قوله هذا أن نقول : هي زينة قبل أن يرجم بها الشياطين . قال قتادة : خلق الله النجوم لثلاث : زينة للسماء ، ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدي بها في البر والبحر ، فمن تكلم فيها بغير ذلك فقد تكلم فيما لا يعلم وتعدى وظلم ، وقيل معنى الآية : وجعلناها ظنونا لشياطين الإنس ، وهم المنجمون ( وأعتدنا لهم عذاب السعير ) أي وأعتدنا للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب عذاب السعير : أي عذاب النار ، والسعير : أشد الحريق ، يقال سعرت النار فهي مسعورة ( وللذين كفروا بربهم ) من كفار بني آدم ، أو من كفار الفريقين " عذاب جهنم " قرأ الجمهور برفع " عذاب " على أنه مبتدأ وخبره " للذين كفروا " . وقرأ الحسن والضحاك والأعرج بنصبه عطفا على " عذاب السعير " ( وبئس المصير ) ما يصيرون إليه ، وهو جهنم ( إذا ألقوا فيها ) أي طرحوا فيها كما يطرح الحطب في النار ( سمعوا لها شهيقا ) أي صوتا كصوت الحمير عند أول نهيقها ، وهو أقبح الأصوات ، وقوله " لها " في محل نصب على الحال : أي كائنا لها ، لأنه في الأصل صفة ، فلما قدمت صارت حالا . وقال عطاء : الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في النار ، وجملة ( وهي تفور ) في محل نصب على الحال : أي والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل ، ومنه قول حسان : تركتم قدركم لا شئ فيه * وقدر الغير حامية تفور ( تكاد تميز من الغيظ ) أي تكاد تتقطع وينفصل بعضها من بعض من تغيظها عليهم . قال ابن قتيبة : تكاد تنشق غيظا على الكفار . قرأ الجمهور " تميز " بتاء واحدة مخففة ، والأصل تتميز بتاءين . وقرأ طلحة بتاءين على الأصل . وقرأ البزي عن ابن كثير بتشديدها بإدغام إحدى التاءين في الأخرى . وقرأ الضحاك " تمايز " بالألف وتاء واحدة والأصل تتمايز ، وقرأ زيد بن علي " تميز " من ماز يميز ، والجملة في محل نصب على الحال ، أو في محل رفع على أنها خبر آخر لمبتدأ ، وجملة ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ) مستأنفة لبيان حال أهلها ، أو في محل نصب على الحال من فاعل تميز ، والفوج الجماعة من الناس : أي كلما ألقى في جهنم جماعة من الكفار سألهم خزنتها من الملائكة سؤال توبيخ وتقريع ( ألم يأتكم ) في الدنيا ( نذير ) ينذركم هذا اليوم ويحذركم منه ، وجملة ( قالوا بلى قد