الشوكاني

26

فتح القدير

وآله وسلم ( يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ) يعنون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم أو القرآن ( يغفر لكم من ذنوبكم ) أي بعضها ، وهو ما عدا حق العباد ، وقيل إن من هنا لابتداء الغاية . والمعنى : أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى ، وقيل هي زائدة ( ويجركم من عذاب أليم ) وهو عذاب النار ، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس في الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي . وقال الحسن ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار ، وبه قال أبو حنيفة . والأول أولى ، وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى . وعلى القول الأول ، فقال القائلون به أنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم : كونوا ترابا ، كما يقال للبهائم والثاني أرجح . وقد قال الله سبحانه في مخاطبة الجن والإنس - ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان - فأمتن سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة ، ولا ينافي هذا الاقتصار ها هنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم ، ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار وهو مقام عدل ، فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة وهو مقام فضل ، ومما يؤيد هذا أيضا ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة ، وجزاء من عمل الصالحات الجنة ، وجزاء من قال لا إله إلا الله الجنة ، وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة . وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسلا منهم أم لا ، وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس فقط كما في قوله - وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى - . وقال - وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق - وقال سبحانه في إبراهيم الخليل - وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب - ، فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريته ، وأما قوله تعالى في سورة الأنعام - يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم - فقيل المراد من مجموع الجنسين وصدق على أحدهما ، وهم الإنس : كقوله - يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان - أي من أحدهما ( ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ) أي لا يفوت الله ولا يسبقه ولا يقدر على الهرب منه ، لأنه وإن هرب كل مهرب فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها ، وفي هذا ترهيب شديد ( وليس له من دونه أولياء أي أنصار يمنعونه من عذاب الله ، بين سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة نجاته بواسطة غيره ، والإشارة بقوله ( أولئك ) إلى من لا يجب داعي الله ، وأخبر أنهم ( في ضلال مبين ) أي ظاهر واضح . ثم ذكر سبحانه دليلا على البعث ، فقال ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ) الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر : أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السماوات والأرض ابتداء ( ولم يعي بخلقهن ) أي لم يعجزه عن ذلك ولا ضعف عنه ، يقال على بالأمر وعي : إذا لم يهتد لوجهه ، ومنه قول الشاعر : عيوا بأمرهم كما * عيت ببيضتها الحمامة قرأ الجمهور " ولم يعي " بسكون العين وفتح الياء مضارع عيى . وقرأ الحسن بكسر العين وسكون الياء ( بقادر على أن يحيى الموتى ) . قال أبو عبيدة والأخفش : الباء زائدة للتوكيد ، كما في قوله - وكفى بالله شهيدا - . قال الكسائي والفراء والزجاج : العرب تدخل الباء مع الجحد والاستفهام ، فنقول ما أظنك بقائم ، والجار والمجرور في محل رفع على أنهما خبر لأن ، وقرأ ابن مسعود وعيسى بن عمر والأعرج والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب وزيد بن علي " يقدر " على صيغة المضارع ، واختار أبو عبيد القراءة الأولى ، واختار أبو حاتم القراءة الثانية قال : لأن دخول الباء في خبر أن قبيح ( بلى إنه على كل شئ قدير ) لا يعجزه شئ ( ويوم يعرض الذين كفروا على النار ) الظرف متعلق بقول مقدر : أي يقال ذلك اليوم للذين كفروا ( أليس هذا بالحق ) وهذه الجملة هي المحكية