الشوكاني
251
فتح القدير
( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) أي فإن الله يتولى نصره ، وكذلك جبريل ومن صلح من عباده المؤمنين فلن يعدم ناصرا بنصره ( والملائكة بعد ذلك ) أي بعد نصر الله له ونصر جبريل وصالح المؤمنين ( ظهير ) أي أعوان يظاهرونه ، والملائكة مبتدأ وخبره ظهير . قال أبو علي الفارسي : قد جاء فعيل للكثرة كقوله - ولا يسأل حميم حميما - قال الواحدي : وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع كقوله - وحسن أولئك رفيقا - وقد تقرر في علم النحو أن مثل جريح وصبور وظهير يوصف به الواحد والمثنى والجمع . وقيل كان التظاهر بين عائشة وحفصة في التحكم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النفقة ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) أي يعطيه بدلكن أزواجا أفضل منكن ، وقد علم الله سبحانه أنه لا يطلقهن ، ولكن أخبر عن قدرته على أنه إن وقع منه الطلاق أبدله خيرا منهن تخويفا لهن ، وهو كقوله - وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم - فإنه إخبار عن القدرة وتخويف لهم . ثم نعت سبحانه الأزواج بقوله ( مسلمات مؤمنات ) أي قائمات بفرائض الإسلام مصدقات بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره . وقال سعيد بن جبير : مسلمات أي مخلصات وقيل معناه : مسلمات لأمر الله ورسوله ( قانتات ) مطيعات لله . والقنوت الطاعة ، وقيل مصليات ( تائبات ) يعني من الذنوب ( عابدات ) لله متذللات له . قال الحسن وسعيد بن جبير : كثيرات العبادة ( سائحات ) أي صائمات . وقال زيد بن أسلم : مهاجرات ، وليس في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سياحة إلا الهجرة . قال ابن قتيبة والفراء وغيرهما : وسمى الصيام سياحة لأن السائح لا زاد معه . وقيل المعنى : ذاهبات في طاعة الله ، من ساح الماء إذا ذهب ، وأصل السياحة الجولان في الأرض ، وقد مضى الكلام على السياحة في سورة براءة ( ثيبات وأبكارا ) وسط بينهما العاطف لتنافيهما ، والثيبات : جمع ثيب ، وهي المرأة التي قد تزوجت ثم ثابت عن زوجها فعادت كما كانت غير ذات زوج . والأبكار جمع بكر ، وهي العذراء ، سميت بذلك لأنها على أول حالها التي خلقت عليه . وقد أخرج البخاري وغيره عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها لبنا أو عسلا ، فتواصيت أنا وحفصة إن أتينا دخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير ، فدخل على إحداهما فقالت ذلك له ، فقال : لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود ، فنزلت ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) إلى قوله ( إن تتوبا إلى الله ) لعائشة وحفصة ( وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا ) لقوله : بل شربت عسلا . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند صحيح عن ابن عباس قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شرب من شراب عند سودة من العسل ، فدخل على عائشة فقالت : إني أجد منك ريحا ، فدخل على حفصة فقالت : إني أجد منك ريحا ، فقال : أراه من شراب شربته عند سودة ، والله لا أشربه أبدا ، فأنزل الله ( يا أيها النبي لم تحرم ) الآية " . وأخرج بن سعد عن عبد الله بن رافع قال : سألت أم سلمة عن هذه الآية ( يا أيها النبي لم تحرم ) قالت : كانت عندي عكة من عسل أبيض ، فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلعق منها وكان يحبه ، فقالت له عائشة : نحلها تجرس عرفطا فحرمها ، فنزلت الآية . وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس : " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل عائشة وحفصة حتى جعلها على نفسه حراما ، فأنزل الله هذه الآية ( يا أيها النبي لم تحرم ) " وأخرج البزار والطبراني قال السيوطي : بسند صحيح عن ابن عباس قال : قلت لعمر بن الخطاب : من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ قال : عائشة وحفصة ، وكان بدو الحديث