الشوكاني

238

فتح القدير

وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قيل له : ما سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في زعموا ؟ قال : سمعته يقول : بئس مطية الرجل . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عنه أنه كره زعموا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : يوم التغابن من أسماء يوم القيامة . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه في قوله ( ذلك يوم التغابن ) قال : غبن أهل الجنة أهل النار ، وأخرج سعيد بن منصور عن ابن مسعود في قوله ( ما أصاب من مصيبة ) قال : هي المصيبات تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( يهد قلبه ) قال : يعنى يهد قلبه لليقين فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه . سورة التغابن ( 14 - 18 ) قوله ( يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ) يعنى أنهم يعادونكم ويشغلونكم عن الخير ، ويدخل في ذلك سبب النزول دخولا أوليا ، وهو أن رجالا من مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا فلم يدعهم أزواجهم ولا أولادهم ، فأمر الله سبحانه بأن يحذروهم فلا يطيعوهم في شئ مما يريدونه منهم مما فيه مخالفة لما يريده الله ، والضمير في ( فاحذروهم ) يعود إلى العدو ، أو إلى الأزواج والأولاد لكن لا على العموم ، بل إلى المتصفين بالعداوة منهم ، وإنما جاز جمع الضمير على الوجه الأول ، لأن العدو يطلق على الواحد والاثنين والجماعة . ثم أرشدهم الله إلى التجاوز فقال ( وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ) أي تعفوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها وتتركوا التثريب عليها وتستروها ( فإن الله غفور رحيم ) بالغ المغفرة والرحمة لكم ولهم ، قيل كان الرجل الذي ثبطه أزواجه وأولاده عن الهجرة إذا رأى الناس قد سبقوه إليها وفقهوا في الدين هم أن يعاقب أزواجه وأولاده ، فأنزل الله ( وإن تعفوا ) الآية ، والآية تعم وإن كان السبب خاصا كما عرفناك غير مرة . قال مجاهد : والله ما عادوهم في الدنيا ولكن حملتهم مودتهم على أن اتخذوا لهم الحرام فأعطوهم إياه . ثم أخبر الله سبحانه بأن الأموال والأولاد فتنة فقال ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) أي بلاء واختبار ومحنة يحملونكم على كسب الحرام ومنع حق الله فلا تطيعوهم في معصية الله ( والله عنده أجر عظيم ) لمن آثر طاعة الله وترك معصيته في محبة ماله ، وولده . ثم أمرهم سبحانه بالتقوى والطاعة فقال ( فاتقوا الله ما استطعتم ) أي ما أطقتم وبلغ إليه جهدكم . وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله سبحانه - فاتقوا الله حق تقاته - ومنهم قتادة والربيع بن أنس والسدي وابن زيد ، وقد أوضحنا الكلام في قوله - فاتقوا الله حق تقاته - ومعنى ( واسمعوا وأطيعوا ) أي اسمعوا ما تؤمرون به وأطيعوا الأوامر . قال مقاتل اسمعوا : أي اصغوا إلى ما ينزل عليكم وأطيعوا لرسوله فيما يأمركم وينهاكم . وقيل معنى اسمعوا : اقبلوا