الشوكاني
235
فتح القدير
قوله ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) أي ينزهه سبحانه جميع مخلوقاته التي في سماواته وأرضه عن كل نقص وعيب ( له الملك وله الحمد ) يختصان به ليس لغيره منهما شئ ، وما كان لعباده منهما فهو من فيضه وراجع إليه ( وهو على كل شئ قدير ) لا يعجزه شئ ( هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) أي فبعضكم كافر وبعضكم مؤمن . قال الضحاك : فمنكم كافر في السر مؤمن في العلانية كالمنافق ، ومنكم مؤمن في السر كافر في العلانية كعمار بن ياسر ونحوه ممن أكره على الكفر . وقال عطاء : فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب ، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب . قال الزجاج : إن الله خلق الكافر وكفره فعل له وكسب مع أن الله خالق الكفر - وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب مع أن الله خالق الإيمان - والكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله إياه ، لأن الله تعالى قدر ذلك عليه وعلمه منه ، لأن وجود خلاف المقدر عجز ، ووجود خلاف المعلوم جهل . قال القرطبي : وهذا أحسن الأقوال وهو الذي عليه جمهور الأمة ، وقدم الكافر على المؤمن لأنه الأغلب عند نزول القرآن ( والله بما تعملون بصير ) لا تخفى عليه من ذلك خافية ، فهو مجازيكم بأعمالكم . ثم لما ذكر سبحانه خلق العالم الصغير أتبعه بخلق العالم الكبير فقال ( خلق السماوات والأرض بالحق ) أي بالحكمة البالغة . وقيل خلق ذلك خلقا يقينا لا ريب فيه ، وقيل الباء بمعنى اللام : أي خلق ذلك لإظهار الحق ، وهو أن يجزى المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته . ثم رجع سبحانه إلى خلق العالم الصغير فقال ( وصوركم فأحسن صوركم ) قيل المراد آدم خلقه بيده كرامة له ، كذا قال مقاتل ، وقيل المراد جميع الخلائق وهو الظاهر : أي أنه سبحانه خلقهم في أكمل صورة وأحسن تقويم وأجمل شكل . والتصوير : التخطيط والتشكيل . قرأ الجمهور " فأحسن صوركم " بضم الصاد ، وقرأ زيد بن علي والأعمش وأبو زيد بكسرها ( وإليه المصير ) في الدار الآخرة ، لا إلى غيره ( يعلم ما في السماوات والأرض ) لا تخفى عليه من ذلك خافية ( ويعلم ما تسرون وما تعلنون ) أي ما تخفونه وما تظهرونه ، والتصريح به مع اندراجه فيم قبله لمزيد التأكيد في الوعد والوعيد ( والله عليم بذات الصدور ) هذه الجملة مقررة لما قبلها من شمول علمه لكل معلوم ، وهي تذييلية ( ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل ) وهم كفار الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود ، والخطاب لكفار العرب ( فذاقوا وبال أمرهم ) بسبب كفرهم ، والوبال : الثقل والشدة ، والمراد بأمرهم هنا ما وقع منهم من الكفر والمعاصي ، وبالوبال ما أصيبوا به من عذاب الدنيا ( ولهم عذاب أليم ) وذلك في الآخرة وهو عذاب النار ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما ذكر من العذاب في الدارين ، وهو مبتدأ وخبره ( بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات ) أي بسبب أنها كانت تأتيهم الرسل المرسلة إليهم بالمعجزات الظاهرة ( فقالوا أبشر يهدوننا ) أي قال كل قوم منهم لرسولهم هذا القول منكرين أن يكون الرسول من جنس البشر متعجبين من ذلك ، وأراد بالبشر الجنس ، ولهذا قال يهدوننا ( فكفروا وتولوا ) أي كفروا بالرسل وبما جاءوا به وأعرضوا عنهم ولم يتدبروا فيما جاءوا به ، وقيل كفروا بهذا القول الذي قالوه للرسل ( واستغنى الله ) عن إيمانهم وعبادتهم . وقال مقاتل : استغنى الله بما أظهره لهم من البرهان وأوضحه من المعجزات ، وقيل استغنى بسلطانه عن طاعة عباده ( والله غني حميد ) أي غير محتاج إلى العالم ولا إلى عبادتهم له ، محمود من كل مخلوقاته بلسان المقال والحال .