الشوكاني
228
فتح القدير
نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف وقيل إنه اقتصر على ضمير التجارة ، لأن الانفضاض إليها إذا كان مذموما مع الحاجة إليها فكيف بالانفضاض إلى اللهو ، وقيل غير ذلك ( وتركوك قائما ) أي على المنبر : ثم أمره الله سبحانه أن يخبرهم بأن العمل للآخرة خير من العمل للدنيا فقال ( قل ما عند الله ) يعني من الجزاء العظيم وهو الجنة ( خير من اللهو ومن التجارة ) اللذين ذهبتم إليهما وتركتم البقاء في المسجد وسماع خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأجلها ( والله خير الرازقين ) فمنه اطلبوا الرزق ، وإليه توسلوا بعمل الطاعة ، فإن ذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه . وقد أخرج سعيد بن منصور وابن مردويه عن أبي هريرة قال " قلت يا رسول الله لأي شئ سمى يوم الجمعة ؟ قال : لأن فيه جمعت طينة أبيكم آدم ، وفيه الصعقة والبعثة ، وفي آخره ثلاث ساعات منها ساعة من دعا الله فيها بدعوة استجاب له " . وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سلمان قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أتدري ما يوم الجمعة ؟ قلت : الله ورسوله أعلم ، قالها ثلاث مرات ثم قال في الثالثة : هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم آدم أفلا أحدثكم عن يوم الجمعة " الحديث . وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة " وفي الباب أحاديث مصرحة بأنه خلق فيه آدم . وورد في فضل يوم الجمعة أحاديث كثيرة ، وكذلك في فضل صلاة الجمعة وعظيم أجرها ، وفي الساعة التي فيها ، وأنه يستجاب الدعاء فيها ، وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره . وأخرج أبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن خرشة بن الحر قال : رأي معي عمر بن الخطاب لوحا مكتوبا فيه ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ) فقال : من أملى عليك هذا ؟ قلت أبي بن كعب ، قال : إن أبيا أقرأنا للمنسوخ اقرأها " فامضوا إلى ذكر الله " وروى هؤلاء ما عدا أبا عبيد عن ابن عمر قال : لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما نقرأ هذه الآية التي في سورة الجمعة إلا " فامضوا إلى ذكر الله " وأخرجه عنه أيضا الشافعي في الأم وعبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم . وأخرجوا كلهم أيضا عن ابن مسعود أنه كان يقرأ " فامضوا إلى ذكر الله " قال : ولو كان فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي . وأخرج عبد بن حميد عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك . وأخرج عبد ابن حميد عن ابن عباس ( فاسعوا إلى ذكر الله ) قال : فامضوا . وأخرج عبد بن حميد عنه أن السعي العمل . وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب : أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانا يختلفان في تجارتهما إلى الشام ، فربما قدما يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فيدعونه ويقومون ، فنزلت الآية ( وذروا البيع ) فحرم عليهم ما كان قبل ذلك . وأخرج ابن جرير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله ( " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) قال : ليس لطلب دنيا ، ولكن عيادة مريض ، وحضور جنازة ، وزيارة أخ في الله " . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال : لم تؤمروا بشئ من طلب الدنيا إنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال : " بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب يوم الجمعة قائما إذا قدمت عير المدينة ، فابتدرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لم يبق منهم إلا اثنا عشر رجلا أنا فيهم