الشوكاني
222
فتح القدير
سورة الصف ( 10 - 14 ) قوله ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها ، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار . قرأ الجمهور " تنجيكم " بالتخفيف من الإنجاء . وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حيوه بالتشديد من التنجية . ثم بين سبحانه هذه التجارة التي دل عليها فقال ( تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ) وهو خبر في معنى الأمر للإيذان بوجوب الامتثال فكأنه قد وقع فأخبر بوقوعه ، وقدم ذكر الأموال على الأنفس لأنها هي التي يبدأ بها في الإنفاق والتجهز إلى الجهاد . قرأ الجمهور " تؤمنون " وقرأ ابن مسعود " آمنوا وجاهدوا " على الأمر . قال الأخفش : تؤمنون عطف بيان لتجارة ، والأولى أن تكون الجملة مستأنفة مبينة لما قبلها ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى ما ذكر من الإيمان والجهاد ، وهو مبتدأ وخبره ( خير لكم ) أي هذا الفعل خير لكم من أموالكم وأنفسكم ( إن كنتم تعلمون ) أي إن كنتم ممن يعلم فإنكم تعلمون أنه خير لكم ، لا إذا كنتم من أهل الجهل فإنكم لا تعلمون ذلك ( يغفر لكم ذنوبكم ) هذا جواب الأمر المدلول عليه بلفظ الخبر ، ولهذا جزم . قال الزجاج والمبرد : قوله " تؤمنون " في معنى آمنوا ، ولذلك جاء يغفر لكم مجزوما . وقال الفراء : يغفر لكم جواب الاستفهام فجعله مجزوما لكونه جواب الاستفهام ، وقد غلطه بعض أهل العلم . قال الزجاج : ليسوا إذا دلهم على ما ينفعهم يغفر لهم إنما يغفر لهم إذا آمنوا وجاهدوا . وقال الرازي في توجيه قول الفراء : إن هل أدلكم في معنى الأمر عنده ، يقال هل أنت ساكت : أي اسكت ، وبيانه أن هل بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضا وحثا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر . وقرأ زيد بن علي " تؤمنوا ، وتجاهدوا " على إضمار لام الأمر . وقيل إن " يغفر لكم " مجزوم بشرط مقدر : أي إن تؤمنوا يغفر لكم ، وقرأ بعضهم بالإدغام في يغفر لكم ، والأولى ترك الإدغام لأن الراء حرف متكرر فلا يحسن إدغامه في اللام ( ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) قد تقدم بيان كيفية جرى الأنهار من تحت الجنات ( ومساكن طيبة في جنات عدن ) أي في جنات إقامة ( ذلك الفوز العظيم ) أي ذلك المذكور من المغفرة ، وإدخال الجنات الموصوفة بما ذكر هو الفوز الذي لا فوز بعده ، والظفر الذي لا ظفر يماثله ( وأخرى تحبونها ) . قال الأخفش والفراء : أخرى معطوفة على تجارة فهي في محل خفض : أي وهل أدلكم على خصلة