الشوكاني
219
فتح القدير
سورة الصف ( 1 - 9 ) قوله ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض ) قد تقدم الكلام على هذا ووجه التعبير في بعض السور بلفظ الماضي كهذه السورة ، وفي بعضها بلفظ المضارع ، وفي بعضها بلفظ الأمر الإرشاد إلى مشروعية التسبيح في كل الأوقات ماضيها ومستقبلها وحالها ، وقد قدمنا نحو هذا في أول سورة الحديد ( وهو العزيز الحكيم ) أي الغالب الذي لا يغالب : الحكيم في أفعاله وأقواله ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ) هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ : أي لم تقولون من الخير مالا تفعلونه ، ولم مركبة من اللام الجارة ، وما الاستفهامية ، وحذفت ألفها تخفيفا لكثرة استعمالها كما في نظائرها ، ثم ذمهم سبحانه على ذلك فقال ( كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون ) أي عظم ذلك في المقت ، وهو البغض ، والمقت والمقاتة مصدران ، يقال رجل مقيت وممقوت : إذا لم يحبه الناس قال الكسائي ( أن تقولوا ) في موضع رفع ، لأن كبر فعل بمعنى بئس ، ومقتا منتصب على التمييز ، وعلى هذا فيكون في كبر ضمير مبهم مفسر بالنكرة ، وأن تقولوا هو المخصوص بالذم ، ويجئ فيه الخلاف هل رفعه بالابتداء ، وخبره الجملة المتقدمة عليه ، أو خبره محذوف أو هو خبر مبتدأ محذوف . وقيل إنه قصد بقوله كبر التعجب ، وقد عده ابن عصفور من أفعال التعجب . وقيل إنه ليس من أفعال الذم ولا من أفعال التعجب ، بل هو مسند إلى أن تقولوا ، ومقتا تمييز محول عن الفاعل ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) قال المفسرون : إن المؤمنين قالوا : وددنا أن الله يخبرنا بأحب الأعمال إليه حتى نعمله ولو ذهبت فيه أموالنا وأنفسنا . فأنزل الله ( إن الله يحب الذين يقاتلون ) الآية ، وانتصاب صفا على المصدرية ، والمفعول محذوف : أي يصفون أنفسهم