الشوكاني
198
فتح القدير
العربي : لا إشكال أنها ثلاثة معان في ثلاث آيات . أما الآية الأولى ، وهي قوله ( وما أفاء الله على رسوله منهم ) فهي خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالصة له وهي أموال بني النضير وما كان مثلها . وأما الآية الثانية ، وهي قوله ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) فهذا كلام مبتدأ غير الأول بمستحق غير الأول وإن اشتركت هي والأولى في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على رسوله واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال ، واقتضت آية الأنفال ، وهي الآية الثالثة أنه حاصل بقتال ، وعريت الآية الثانية ، وهي قوله ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى ) عن ذكر حصوله بقتال أو بغير قتال ، فنشأ الخلاف من ها هنا ، فطائفة قالت هي ملحقة بالأولى وهي مال الصلح ، وطائفة قالت هي ملحقة بالثالثة وهي آية الأنفال . والذين قالوا إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا هل هي منسوخة أو محكمة هذا معنى حاصل كلامه . وقال مالك : إن الآية الأولى من هذه السورة خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والآية الثانية هي في بني قريظة ، ويعني أن معناها يعود إلى آية الأنفال . ومذهب الشافعي أن سبيل خمس الفئ سبيل خمس الغنيمة ، وأن أربعة أخماسه كانت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي بعده لمصالح المسلمين ( فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) المراد بقوله " لله " أنه ( يحكم فيه بما يشاء " وللرسول " يكون ملكا له " ولذي القربى " وهو بنو هاشم وبنو المطلب لأنهم قد منعوا من الصدقة فجعل لهم حقا في الفئ . قيل تكون القسمة في هذا المال على أن يكون أربعة أخماسه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وخمسه يقسم أخماسا . للرسول خمس ، ولكل صنف من الأصناف الأربعة المذكورة خمس ، وقيل يقسم أسداسا . السادس سهم الله سبحانه ويصرف إلى وجوه القرب ، كعمارة المساجد ونحو ذلك ( كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) أي كيلا يكون الفئ دولة بين الأغنياء دون الفقراء ، والدولة اسم للشئ يتداوله القوم بينهم ، يكون لهذا مرة ، ولهذا مرة . قال مقاتل : المعنى أنه يغلب الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم . قرأ الجمهور " يكون " بالتحتية دولة بالنصب : أي كيلا يكون الفئ دولة . وقرأ جعفر والأعرج وهشام وأبو حيان " تكون " بالفوقية دولة بالرفع : أي كيلا تقع أو توجد دولة ، وكان تامة . وقرأ الجمهور " دولة " بضم الدال . وقرأ أبو حيوة والسلمي بفتحها . قال عيسى بن عمر ويونس والأصمعي هما لغتان بمعنى واحد . وقال أبو عمرو ابن العلاء : الدولة بالفتح الذي يتداول من الأموال ، وبالضم الفعل ، وكذا قال أبو عبيدة . ثم لما بين لهم سبحانه مصارف هذا المال أمرهم بالاقتداء برسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) أي ما أعطاكم من مال الغنيمة فخذوه ، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا عنه ولا تأخذوه . قال الحسن والسدي : ما أعطاكم من مال الفئ فاقبلوه ، وما منعكم منه فلا تطلبوه . وقال ابن جريج : ما آتاكم من طاعتي فافعلوا ، وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه ، والحق أن هذه الآية عامة في كل شئ يأتي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أمر أو نهي أو قول أو فعل ، وإن كان السبب خاصا فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وكل شئ أتانا به من الشرع فقد أعطانا إياه وأوصله إلينا ، وما أنفع هذه الآية وأكثر فائدتها . ثم لما أمرهم بأخذ ما أمرهم به الرسول وترك ما نهاهم عنه أمرهم بتقواه وخوفهم شدة عقوبته ، فقال ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) فهو معاقب من لم يأخذها ما آتاه الرسول ولم يترك ما نهاه عنه . وقد أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت : كانت غزوة بني النضير ، وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر ، وكان منزلهم ونخلهم في ناحية المدينة ، فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزلوا على الجلاء ، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة :