الشوكاني

183

فتح القدير

وطأها إلا بكفارة ، وبه قال الليث بن سعد ، وروى عن أبي حنيفة . وقيل هو تكرير الظهار بلفظه ، وبه قال أهل الظاهر . وروى عن بكير بن الأشبح وأبي العالية والفراء . والمعنى . ثم يعودون إلى قول ما قالوا . والموصول مبتدأ وخبره ( فتحرير رقبة ) على تقدير فعليهم تحرير رقبة كما تقدم ، أو قالوا جب عليهم إعتاق رقبة ، يقال حررته : أي جعلته حرا ، والظاهر أنها تجزئ أي رقبة كانت ، وقيل يشترط أن تكون مؤمنة كالرقبة في كفارة القتل ، وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه وبالثاني قال مالك والشافعي ، واشترطا أيضا سلامتها من كل عيب ( من قبل أن يتماسا ) المراد بالتماس هنا الجماع ، وبه قال الجمهور ، فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفر ، وقيل إن المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر إلى الفرج بشهوة ، وبه قال مالك ، وهو أحد قول الشافعي ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى الحكم المذكور وهو مبتدأ وخبره ( توعظون به ) أي تؤمرون به ، أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار ، وفيه بيان لما هو المقصود من شرع الكفارة . قال الزجاج : معنى الآية ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به : أي إن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار ( والله بما تعملون خبير ) لا يخفى عليه شئ من أعمالكم ، فهو مجازيكم عليها . ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة فقال ( فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ) أي فمن لم يجد الرقبة في ملكه ولا تمكن من قيمتها فعليه صيام شهرين متتابعين متواليين لا يفطر فيهما ، فإن أفطر استأنف إن كان الإفطار لغير عذر ، وإن كان لعذر من سفر أو مرض فقال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي والشافعي ومالك : إنه يبنى ولا يستأنف . وقال أبو حنيفة : إنه يستأنف ، وهو مروي عن الشافعي ، ومعنى ( من قبل أن يتماسا ) هو ما تقدم قريبا ، فلو وطئ ليلا أو نهارا عمدا أو خطأ استأنف ، وبه قال أبو حنيفة ومالك . وقال الشافعي : لا يستأنف إذا وطئ ليلا لأنه ليس محلا للصوم ، والأول أولى ( فمن لم يستطع ) يعنى صيام شهرين متتابعين ( فإطعام ستين مسكينا ) أي فعليه أن يطعم ستين مسكينا ، لكل مسكين مدان ، وهما نصف صاع ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه . وقال الشافعي وغيره : لكل مسكين مد واحد ، والظاهر من الآية أن يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة ، أو يدفع إليهم ما يشبعهم ، ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة ، بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم ، وبعضهم في يوم آخر ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ذكره من الأحكام ، وهو مبتدأ وخبره مقدر : أي ذلك واقع ( لتؤمنوا بالله ورسوله ) ويجوز أن يكون اسم الإشارة في محل نصب ، والتقدير : فعلنا ذلك لتؤمنوا : أي لتصدقوا أن الله أمر به وشرعه ، أو لتطيعوا الله ورسوله في الأوامر والنواهي ، وتقفوا عند حدود الشرع ولا تتعدوها ولا تعودوا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور ، والإشارة بقوله ( وتلك ) إلى الأحكام المذكورة وهو مبتدأ ، وخبره ( حدود الله ) فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم ، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية ، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة ( وللكافرين ) الذين لا يقفون عند حدود الله ولا يعملون بما حده الله لعباده ( عذاب أليم ) وهو عذاب جهنم ، وسماه كفرا تغليظا وتشديدا . وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قالت : تبارك الذي وسع سمعه كل شئ إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي تقول : يا رسول الله أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، اللهم إني أشكو إليك ، قالت : فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ) وهو أوس بن الصامت . وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : كان