الشوكاني
178
فتح القدير
وموجباته . وعلى القول بأن المراد به الآلة التي يوزن بها فيكون إنزاله بمعنى إرشاد الناس إليه وإلهامهم الوزن به ، ويكون الكلام من باب علفتها تبنا وماء باردا وأنزلنا الحديد ( أي خلقناه كما في قوله - وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج - والمعنى : أنه خلقه من المعادن وعلم الناس صنعته ، وقيل إنه نزل مع آدم ( فيه بأس شديد ) لأنه تتخذ منه آلات الحرب ، قال الزجاج : يمتنع به ويحارب ، والمعنى : أنه تتخذ منه آلة للدفع وآلة للضرب . قال مجاهد : فيه جنة وسلاح ، ومعنى ( ومنافع للناس ) أنهم ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه مثل السكين والفأس والإبرة وآلات الزراعة والنجارة والعمارة ( وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ) معطوف على قوله ليقوم الناس : أي لقد أرسلنا رسلنا وفعلنا كيت وكيت ليقوم الناس وليعلم ، وقيل معطوف على علة مقدرة ، كأنه قيل ليستعملوه وليعلم الله ، والأول أولى . والمعنى : أن الله أمر في الكتاب الذي أنزل بنصره دينه ورسله فمن نصر دينه ورسله علمه ناصرا ، ومن عصى علمه بخلاف ذلك وبالغيب في محل نصب على الحال من فاعل ينصره أو من مفعوله : أي غائبا عنهم أو غائبين عنه ( إن الله قوى عزيز ) أي قادر على كل شئ غالب لكل شئ ، وليس له حاجة في إن ينصره أحد من عباده وينصر رسله ، بل كلفهم بذلك لينتفعوا به إذا امتثلوا ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين ( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم ) لما ذكر سبحانه إرسال الرسل إجمالا أشار هنا إلى نوع تفصيل ، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم ، وكرر القسم للتوكيد ( وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ) أي جعلنا فيهم النبوة والكتب المنزلة على الأنبياء منهم ، وقيل جعل بعضهم أنبياء وبعضهم يتلون الكتاب ( فمنهم مهتد ) أي فمن الذرية من اهتدى بهدى نوح وإبراهيم ، وقيل المعنى : فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى ( وكثير منهم فاسقون ) خارجون عن الطاعة ( ثم قفينا على آثارهم برسلنا ) أي اتبعنا على آثار الذرية أو على آثار نوح وإبراهيم برسلنا الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى وإلياس وداود وسليمان وغيرهم ( وقفينا بعيسى ابن مريم ) أي أرسلنا رسولا بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم ، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه ( وآتيناه الإنجيل ) وهو الكتاب الذي أنزله الله عليه ، وقد تقدم ذكر اشتقاقه في سورة آل عمران . قرأ الجمهور " الإنجيل " بكسر الهمزة ، وقرأ الحسن بفتحها ( وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ) الذين اتبعوه هم الحواريون جعل الله في قلوبهم مودة لبعضهم البعض ، ورحمة يتراحمون بها ، بخلاف اليهود فإنهم ليسوا كذلك ، وأصل الرأفة اللين ، والرحمة الشفقة ، وقيل الرأفة أشد الرحمة ( ورهبانية ابتدعوها ) انتصاب رهبانية على الاشتغال : أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، وليس بمعطوفة على ما قبلها ، وقيل معطوفة على ما قبلها : أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم . والأول أولى ، ورجحه أبو علي الفارسي وغيره ، وجملة ( ما كتبناها عليهم ) صفة ثانية لرهبانية ، أو مستأنفة مقررة لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم ، والمعنى : ما فرضناها عليهم ، والرهبانية بفتح الراء وضمها ، وقد قرئ بهما ، وهي بالفتح الخوف من الرهب ، وبالضم منسوبة إلى الرهبان ، وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح ، وتعلقوا بالكهوف والصوامع ، لأن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا ، ذكر معناه الضحاك وقتادة وغيرهما ( إلا ابتغاء رضوان الله ) الاستثناء منقطع : أي ما كتبناها نحن عليهم رأسا ، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله . وقال الزجاج : ما كتبناها عليهم معناه لم نكتب عليهم شيئا البتة ، قال : ويكون ( إلا ابتغاء رضوان الله ) بدلا من الهاء والألف في كتبناها ، والمعنى : ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ( فما رعوها حق رعايتها ) أي لم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم ، بل صنعوها وكفروا بدين عيسى ، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا